مر وقت كافٍ على هجوم الإرهابي الأسترالي «برينتون تارانت» على مسجدين في مدينة «كرايستشيرش» النيوزيلندية، ومرور فترة زمنية بعد حادث خطير كهذا، أمر يراه صاحب الكلمات ضروري للتدقيق في الحادث؛ إذ يحاول مرور الوقت إزالة الانفعال الأول الشديد بخاصة أن الضحايا من المسلمين يقدرون بالمئة، نصفهم فارق الحياة، والنصف الآخر مصاب.

يحلو لكثيرين، في مثل هذه الأحداث المؤلمة، المبالغة في رؤية ما يعتقدون أنه جانب ممتلئ من الكوب البالغ المأساوية؛ فيرددون أن الحادث كان فرصة كبرى لتعريف المجتمع النيوزيلندي على الإسلام من قرب، وإن كثيرين دخلوا فيه خلال الأيام التالية للحادث المأساوي.

مثل الرؤية الماضية فداحتها لا تتمثل في أنها تختصر الواقع في النظرة المتفائلة منه فحسب، مع تسليمنا بأهمية وضرورة هذه النظرة؛ لكن وفق مقتضيات الحال العملي الممتدة، وأيضًا الدورس التي يجب الاستفادة منها مستقبلًا لمنع مثل هذه الأحداث البالغة الخسارة والحدة، وصدق الشاعر العراقي الراحل «أحمد مطر» لما قال: «إنني أغني للأمل لما يكون وردة طالعة من رحم الأرض، لكنني أخجل من إيهامكم بالورود المزيفة».

وعلى دماء 50 ضحية نزفت حتى الممات لا ينبغي أن تكون القراءة متعجلة على هذا النحو، أو حتى ترضى بتخصيص مبلغ 55 مليون دولار أسترالي لحماية المسلمين وغيرهم في معابد أستراليا المجاورة لنيوزيلندا، بحسب تصريح رئيس الوزراء الأسترالي «سكوت موريسون» الاثنين الأول بعد الحادث الجلل؛ أو بإعلان بعض العصابات في نيوزيلندا حماية المسلمين في المساجد بخاصة أثناء الصلاة.

المذبحة الغادرة لها أبعاد أكثر كثافة من النظرة السطحية لما يمكن أن يكون لها من إيجابيات، فهي تفتح الآفاق بداية على واقع العرب والمسلمين، وهو الواقع المتأزم الذي ظن كثيرون؛ حتى من النخبة الواعية المُقاومة للاستبداد في وطننا العربي؛ أن الفرار للغرب خير حل له؛ فهؤلاء الضحايا إذًا لم يكتفوا بالخروج، بل صبروا وثابروا حتى نالوا الجنسية الغربية أملًا في النجاة من الموت الحاصد لأرواح كثيرة يوميًا من المحيط إلى الخليج؛ إن لم يكن بسبب المواجهة مع الطغاة الذين يحكمون أغلب دولنا العربية، فبسبب الإهمال، وما مصرع العشرات في مركب متهالك في الموصل الخميس الماضي منا ببعيد.

إن الموت يلاقي الفارين من مأساواتنا في أغلب البلدان العربية، وإن التطرف الغربي رغم قلته وندرته قادر على التجدد وإفراز أحداث مشابهة مستقبلًا؛ ولن ينفعنا حينئذ إعلان المكاسب بعد يُتم أسر وألم عائلات لفقدان ربها أو أحد أفرادها، كما لن تشفع لنا في الحد من المأساة إنفاق أموال غربية على حماية المسلمين أثناء الصلاة، فعوضًا عن أنه ليست كل دولة غربية بقابلة للأمر؛ فإن الحماية تأتي بعد الحوادث لا قبلها.

هذا الموت يتطلب نظرًا في أسبابه الملاحقة للعرب والمسلمين حتى في الغرب، وهي أسباب منها تحريض حكام عرب على مراقبة المساجد في أوروبا والادعاء بأنها بؤر لتفريخ الإرهاب؛ كما أن منها أيضًا الراحة العامة التي تصيب عربًا ومسلمين مقيمين في الغرب؛ فيظنون أن الأخطار المحدقة بهم في بلادهم، زالت إلى غير رجعة، فيُقصرون من أسف في عرض قضيتهم ومواقف كثير منهم المشرفة من الاضطهاد في بلادهم؛ والأمر الأخير لعله معزز لإرهاب وتطرف كامن في نفوس البعض ضد المسلمين.

والنظرة إلى الإرهاب الكامن في نفوس بعض الغربيين، سواء أتمت ترجمته إلى حوادث أم ظل باقيًا في نفس صاحبه؛ النظر للأمر على أنه خوف من الإسلاموفوبيا ليس أكثر؛ وبالتالي إزكاء بعض القادة الغربيين لتلك النعرة؛ هذه النظرة عمومًا لا تخلو من صحة؛ على أن كمالها ما أشار إليه غير واحد من منظرينا، ومنهم المفكر الراحل «عبد الوهاب المسيري» في أكثر من كتاب، ومنها: «العالم من منظور غربي»، الصادر في إحدى طبعاته عن دار الهلال المصرية في فبراير (شباط) 2001م؛ وفيه يشرح أن المنظومة المعرفية الغربية المادية الحديثة: «تبدأ… بإعلان أن الكون مركز كامن فيه وليس متجاوزًا له، وهذا يعني أن الإله إما غير موجود أساسًا، أو أنه موجود ولا علاقة له بالمنظومة المعرفية والأخلاقية والدلالية والجمالية …».

وينتهي «المسيري» من بسط وعرض تلك القضية إلى أن جوهر حضارة الغرب أن لا إله من الأساس، وهذا المفهوم بناء عليه تصفى ثنائية الخلق لديه، بخاصة أن: «النزوع المادي ليس شيئًا مستوردًا، وإنما كائن داخل نفس الإنسان، ويظن الكثيرون حتى الآن أن هذا النموذج منطقي عقلاني عالمي، يعبر عن الطبيعة البشرية عن الطبيعة البشرية في كليتها، لا عن جانب منها فحسب».

ويضيف الراحل أن بعض الغربيين لا يتفهمون في قرارة أنفسهم الذين يرون بوجود رب للكون؛ وتبرز قمة ذلك حينما يرونهم يقيمون مراسم عبادة، بخاصة من غير المُنتمين مثلهم إلى «الفرد المطلق»، صاحب المرجعية من ذاته.

إن الأمر لا يخلو من ضرورة مراجعة العرب والمسلمين في الغرب لأنفسهم ودورهم في التعريف بقضاياهم على نحو أكثر من جيد، على ألا يكون هذا التعريف محسورًا أو محدودًا في أغلبه في أوقات الأزمات مثل الحادث الأخير؛ أو حتى محدودًا بعلماء الدين وأمثالهم، بل إن الأمر يخص كل عربي ومسلم مقيم في الغرب لينشر ويعرف بكل ما من شأنه توضيح الصورة المفصلة عنه وعن حضارته وبلاده؛ ومما يثير الإعجاب في هذا السياق صورة لفتاة عربية رفعت لافتة في الغرب مكتوب عليها: «المهاجر العربي ليس عدوك، بل إن عدوك مَنْ أخرجه من بلاده».

نريد لمثل هذه اللافتات أن تُترجم إلى مزيد من الكلمات الشارحة لوحدة العالم، وضرورة ضغط المواطنين الغربيين على حكوماتهم من أجل تخفيف قبضة الطغاة على أغلب بلداننا العربية؛ ونريد من المفكرين وعلماء الدين ما هو أكثر من الوقوف ضد الإسلاموفوبيا ببيان أن المادية الغربية لم تسعد الإنسان أو الفرد المطلق الغربي؛ بل جرت عليه شقاء بجفاف الروح وقلة منسوب الإنسانية المعنوية لدى البعض.. مما أدى للعنف وإسالة الدماء ضد النفس بالانتحار؛ أو ضد الطبقة الأضعف في المجتمع من عرب ومسلمين.

يبقى أن المجهود المطلوب تكثيفه وبذله ليس بقليل؛ وليس من ضمنه أو من سياقه الفرح بالآلاف الذين حضروا صلاة الجمعة في منتزه «هاغلي بارك» المواجه لمسجد النور؛ المسجد الأكبر من حيث عدد ضحايا الجمعة 15 من مارس (آذار) الماضي؛ مع التقدير لذلك الجهد ولجهد سماحة الشيخ الدكتور «إبراهيم أبو محمد» مفتي أستراليا ونيوزيلندا، الذي أدعوه للمزيد من إحسان عرض مواقفنا وقضايانا على الأستراليين والنيوزيلندين وعلى ملايين الغربيين غيرهم في وقت السلم قبل غيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد