بمنتهى الحزن تلقى العالم تلك الفاجعة التي هزت القلوب، جماعة من الناس في محراب السمو بالروح يؤدون واجبًا دينيًا، وفجأة يدخل عليهم بالرصاص رجل منزوع الرحمة والإنسانية ومسكون بأوهام وعقائد متطرفة، تلقاها عبر وسائط عديدة مشوهة، دفعته لاقتراف أبشع فعل يمكن أن يقترفه إنسان وهو إنهاء حياة إنسان آخر كان قبل لحظات يراكم الآمال بمستقبل جميل.

بمنتهى المسؤولية ظهرت رئيسة وزراء نيوزيلندا، رافضة بكل وضوح الإرهاب أيًا كان لونه وشكله ودينه، شاركت مواطنيها والمهاجرين في بلادها الحزن، وبرمزية جميلة ظهرت مرتدية الحجاب لتؤكد أن المواطنة لا تستثني المسلم والشرقي والمختلف لونًا ودينًا.

تلك كانت مقدمة لابد منها، ولندخل في الموضوع، من اللازم القول أن الإعلام أمس واليوم وغدًا يقوم بعمليات تشكيل الوعي بشكل فاعل نحو مختلف القضايا من خلال منتج احترافي يعتمد نظريات متنوعة تدرس الجماهير وتنتج المحتوى المناسب لتوجيه وعي الجماهير نحو مفاهيم ومواقف ووجهات نظر عديدة، وعلى ذلك يمكن القول أن الإعلام يقوم بأدوار فاعلة قد تؤدي ردات فعل سلبية أو إيجابية بحسب الرسالة الإعلامية المنشورة.

التأسيس السابق منطلق مهم لمحاولة الإجابة عن سؤال المقال الرئيس: لماذا يُعد الإعلام مشاركًا رئيسًا في فاجعة نيوزيلندا؟!

قبل أسابيع غرد الرئيس الفرنسي عما سماه إرهابًا إسلاميًا، كان حضور مصطلح الإرهاب الإسلامي في تغريدة ماكرون بشكل فج نتيجة لمنظومة دعاية ضخمة كادت أن تصبح ثابتًا إعلاميًا في أوروبا وأمريكا، تلك الدعاية تكرس باستمرار الربط بين الإرهاب والإسلام، دونما أي محاولة لتفكيك الإرهاب كفعل متطرف والإسلام كمنظومة قيم وعبادات يعتنقها أكثر من مليار إنسان على الكوكب، وتغريدة ماكرون ليست إلا المثال القريب سبقتها مواقف نخب وزعماء غرب، يكررون على مسامع شعوبهم باستمرار التحذير من الإرهاب الإسلامي، بل ويستخدمون هذا الموقف المهزوز كمادة انتخابية يحاولون من خلالها تقديم أنفسهم للجماهير بأنهم العصا السحرية لإنهاء ما يسمونه الإرهاب الإسلامي في الغرب.

الإعلام أيضًا قدم المسلم للغرب عبارة عن قنبلة مسكونة بأوهام توسعية الغائية قابلة للانفجار وتترقب الوقت المناسب لنشر الفوضى والخراب في مدن الغرب الآمنة وقتل قيم الديموقراطية التي ينعم بها المواطن الغربي ولا تليق بالمواطن الشرقي المسلم المتخلف، هذا الشحن الإعلامي المتطرف في الأخبار والأفلام والمسلسلات وغيرها من المنتجات الإعلامية أدى إلى توسع قاعدة التطرف المضاد في المجتمع الغربي وعزز التفكير العدائي لدى مواطني تلك الدول تجاه كل ماهو مسلم وكل ما يتصل بالهوية الإسلامية والعربية تحديدًا، وبالتأكيد أنتج تنظيمات متطرفة تؤمن بضرورة تأدية أدوار عدائية ضد المسلمين والمهاجرين من خلال مجموعة اجراءات كحصارهم بقوانين الهجرة والإقامة وتكبيلهم عن التعبير عن أنفسهم وذاتيهم وهوياتهم التي تشكل شخصياتهم.

الإعلام العربي رغم كل مشكلاته شارك أيضًا في شيطنة المسلم مدعيًا محاربة الإرهاب، فمن خلال منتجات إعلامية عديدة يقوم الإعلام العربي بتقديم نمط سيء يجعله رديفًا للمسلم، يتشكل هذا النمط على عناصر عدة تقدم المسلم شخصية متخلفة تأبى الحياة ومباهجها وترفض الفرح والمشاركة الاجتماعية الإيجابية، كل ذلك يجعل الإعلام العربي في حالة من الفصام كونه يتحدث بلغة هذه الجماهير وكون هذه الجماهير هي المستهلك الوحيد تقريبًا لتلك المواد الإعلامية ومع ذلك يقوم هذا الإعلام بالعبث بهويات هذه الشعوب، ووضعها في أقفاص الاتهام، متخليًا عن الأمانة الإعلامية وقواعد وأخلاقيات صناعات المحتوى.

هيئات التحرير في المطبوعات تقوم أيضًا بأدوار غير مهنية من خلال تكريس مصطلح الإرهاب كعلامة خاصة لأعمال العنف التي يقوم بها متطرفون محسوبون على الأمة الإسلامية، فيما تقوم هذه المطبوعات بانتقاء مفردات تبريرية للإرهاب الصادر من المتطرفين الغرب من خلال الاكتفاء بتسميته «مسلحًا» أو «متطرفًا» أو «مختلًا» وغيرها من المفرادت التي يفهم منها التهوين والتبرير لا الإدانة المباشرة باعتباره إرهابًا مكتملًا، وهنا أشيد مرة أخرى برئيسة وزراء نيوزيلندا التي سمت ما حدث في المسجدين إرهابًا لا يمكن السكوت عنه، وذات الموقف كان للخارجية البريطانية في اللحظات الأولى عقب الحادث الإرهابي.

على المستوى الشخصي لا أحب التفسيرات التي تحيل كثيرًا إلى المؤامرة والترتيب الغامض للأحداث، ما حدث كان نتيجة لشحن متطرف أنتج فعلًا إرهابيًا، والواجب مراجعة ذلك الخطاب الذي أنتج ذلك الإرهاب ومنطلقاته، أما أمنيتي فهي أن يكون لنا إعلام عربي يستطيع تقديمنا للعالم كأناس عاديين مثل أي إنسان على هذا الكوكب يمكن أن تسكنه أوهام متطرفة فينتج إرهابًا أو تسكنه قيم إيجابية تنتج سلامًا، ذلك لو حدث سيخفف من تلك التوجهات التي تحشر كل المسلمين بدينهم وعاداتهم وآمالهم ونضالهم وتوجهاتهم في موقف واحد وحكم واحد.

أتمنى فقط أن يحدث ذلك، وخالص العزاء لأسر الضحايا وخالص الدعاء لضحايا تلك الحادثة بأن يعوضهم الله الكريم الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد