أسطورة تقهر الاحتلال بسكين ومصحف وابتسامة من القلب تتوعد بالمزيد

كأيّ شاب، يعيش حياته المُتمثلّة بالعمل أو الدّراسة وسهرات الرّفاق يتخللها الكثير من الحب الأزلي للوطن. سكن عمر في بلدة كوبر -القريبة من رام الله- كان يدرس إدارة الأعمال في الجامعة المفتوحة وأنهى سنته الأولى. نظرًا للظّروف الصّعبة التي يُكبادها الشّاب الفلسطيني؛ عمل في حراثة الأراضي ثُمّ في كسارة للحجارة. بدايةً عاش ظروفًا صعبة ومرّ بمُرّها ليكون خِتامها مسكًا، ليُسطّر اسمه مع الأسودِ الجامحة، مع أبطال الثّورة.

عمر العبد، لم يكن هذا الاسم له صدى واسع، لكنّ الآن لو سألنا الكبير أو الصغير أو من في السرير فستتلخّص إجابتهم بالبطل. شابٌ نحيل الجسد قوي العزيمة، يبلغ من العمر ١٩ ربيعًا -أي في مقتبل عمره- وردة مُزينة مُتفتحة، يتدفق عبيرها بشدّة، أحبّ وطنه وتُوّج لأجله بطلًا ضمن موسوعة أبطال الوطن.

٢١ يوليو ٢٠١٧ محطة التغيير

كما أشرقت شمس يوليو (تموز) الدّافئة، أشرقت شمس الوطن في سماء قلب العمر، فلم يحتمل فكرة الاعتداء على المُقدسات أو فكرة البوابات الإلكترونية. آنذاك كان الأقصى يصرخ وينادي «حيّ على الجهاد» سمع ذاك النّداء ولم يقف مكتوف الأيدي بل دفعه عشقه لعروسه -فلسطين- بالتّخفي والتسلل ودخول مُغتصبة «حلميش»؛ دخل حامِلًا حقيبة كتف فيها مصحف ينير قلبه وسكينة تُقطع قلوبهم وعبوة ماء. فقتل ثلاثة وأصابَ الرابع بجروح.

«حلميش» التي اعتلى مجده من أرضها

مشى ما يُقارب ٣ أمتار للوصول إلى «حلميش» وهي مُغتصبة مقامة على أراضي محافظة رام الله، كُلّما مررت من هناك تأمّلت أسوارها العالية وأسلاكها الشّائكة وحراستهم المُشددة على أبوابها، كُلما مررت من هناك أتذكر عمر، كُلما مررت يخطر في ذهني فورًا «كيف استطاع شابٌ نحيل أعزل اختراقها؟» يُراودني هذا السّؤال بشدّة. لكنّ سرعان ما يُجيب عقلي، وهل يحتاج البطل لواسطة؟

وصايا كُتبت ورسائل وصلت

حلم بالشّهادة فكتب وصيته، زار شقيقته المتزوجة وأوصاها على زوجها وأطفالها، كما أرسل رسائل اطمئنان إلى أقاربه، وقبيل خروجه من البيت قرأ القرآن ولبس ثيابه الجديدة، وأخذ الرّضا من والدته فقبل رأسها وأخبرها بأنه سيذهب إلى حفل زفاف قريب.

الوصية

نشر عمر قبل تنفيذه العملية في حسابه على فيسبوك وصية كشفت عن أنه توقع أن يستشهد، حسم أمره وانطلق في عمليته نصرة للمسجد الأقصى. وكانت وصيته لف جثمانه براية رسول الله، وجبينه بقصبة خضراء (حماس)، وصدره بعصبة الرئيس الراحل «عرفات»، يُشار إلى أن الاحتلال أغلق صفحته على الفيس بوك.

أُطلق النار عليه واعتقل على الفور، بعد قيامه بمهمته الوطنية، وطعنه لعائلة «سالومون»، أُطلق النار عليه ونُقل إلى مشفى «بيلنسون في بيتاح تكفا»، وخضع للتحقيق هناك. إصابته خطيرة لكنّ البطل لا يسقط أبدًا بل يبقى شوكة في حلقهم.

ابتسامة تستفزّ الاحتلال

أثناء محاكمته، كان مُقيّد اليدين، محاطًا بأعداد مهولة من الجيش، كان يرعبهم حتّى وهو عندهم، كونه اتّهم بأنه خطط لتنفيذ عملية أو ما شابه ذلك، ظنوا بأن قيودهم ستهدّه، أو أن ضربهم المُبرح سيُصدع صلابته، أو تحقيقهم السّخيف سيقتل عزيمته، لكنّه بالرغم من ذلك كان جبلًا عاليًا يأبى الانهيار.

حُكم عليه بأربعة مُؤبدات، وكافَأهم بابتسامة رُبّما توحي بعبارة القادم أعظم. سيظل العمر بطلًا، ولو أتعبوه بالسجن، سيظل أشوس ولو هددوه بالقتل، سيظل العمر طيرًا حُرًّا مُحلقًا في عنان البطولة، في عنان مجد وفخر هذا الوطن. المجد يركع لأسيرنا المِقدام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد