يقول تميم: «بجداتنا سرٌ عجيبٌ، كأنه حجابٌ إلهيٌ وحرزٌ محرزُ».

الجدة هذه الشخصية الاستثنائية، تختلف ألقابها حسب ثقافة العائلات والدول، قد نقول «جدتي، ستي، نانا، أو تيتا»، لكن نتفق في كونها شخصًا غير عادي.

لدي قناعة تامة نابعة من تعصبٍ وحب، أن جدتي لا يشبهها شيء، وأني متعلقةٌ بها كما لم أفعل تجاه أحد، بيننا الكثير من التفاصيل والأغنيات، والحكايا، لم يكن ترتيبي مميزًا بين أحفادها، لم أكن الأولى أو الأخيرة، ولكن ما بيننا كان مميزًا، إلى جدتي التي لم أصدق رحيلها أبدًا، التي لم أستطع رؤيتها للمرة الأخيرة، ولم أحضر الصلاة عليها، ربما تصلها هذه الرسالة وربما لن تصل أبدًا، أكتبُ لها بعد غيابها الأخير.

«سيدتي العزيزة،

مرحبًا، كيف حالك؟ أعتقد أنكِ أفضل حالًا من سنواتكِ الأخيرة، معافاة بلا مرض، ربما تلك المرةُ الأولى التي أكتب لكِ فيها رسالة، لا أدري إن كانت ستصل، ولكن أتمنى ذلك.

جدتي، الحلوة دائمًا، الأجمل، والأطيب، والأقرب للروح، كنتُ أحاول مذاكرة مادة لا أفهمها ولا يفهمها زملائي كذلك، ولكن لدينا اختبار فيها صباحًا فيجب أن نحاول، ذاك أمرٌ واقع، حتى صادفت عيناي صورتنا المعلقة بجانب سريري، أخذ عقلي يكرر عليّ الكثير من المواقف والحكايا التي حدثت، واحتلت مكانها في القلب، فقررتُ أن أكتب لكِ وأذكركِ بما رأيت.

ليست لدي القدرة لأتذكر متى تعلقتُ بكِ، تقول أمي إنني كنتُ صغيرة جدًّا ربما لم يتجاوز عمري عامًا واحدًا، عندما صحبوني في زيارة لبيتكِ وكانت العائلة مجتمعة هناك، فدخل الجميع وبعد السلام انتبهوا لغيابي وبدؤوا البحث عني، كنتُ بجانبك أجلس أنتظرُكِ لتنهي صلاتكِ على الكرسي بجانب الباب، وانتهيت وحملتيني، وبدأنا نلعب، أستطيع أن أرى نفسي الآن كيف كنت أنظر إليكِ، تلك النظرة التي تتكرر دائمًا في كل مرة نزوركِ فيها عندما تبدأين في قيام ثلث الليل الأخير حتى الفجر، أتأمل صلاتكِ بشغف.

أذكرُ الإجازة التي كنا عندكِ فيها، وجلستُ إليكِ ورأسي يميل على كتفك كما أفعل كل وقت حين أبدأ شكواي من قسوة العالم والظلم الذي يطال كثيرًا من البشر، لكن هذا اليوم وجدتني أسألُكِ: «هل أنا سيئة؟»، لم تجيبي بنعم أو حتى بلا، بل أخبرتيني أني جميلة، وأنه لزامًا عليّ أن أرى جمالي هذا، لأن العالم يرانا كما نرى نحن ذاتنا، لم أُخبرك يومها أني أشعر بالحزن وربما الاكتئاب، لكن إجاباتك دائمًا ما كانت تحمل الجواب الذي أحتاجُ إليه، وبشدة.

 هل أخبركِ سرًّا؟ لم أدرِ يومًا سبب حرصي الشديد على جمع ذكريات كثيرة بيننا، تذكرين الفترة التي أقمتُ لديكِ فيها بمفردي ربما شهر أو أكثر؟ كنا نجلس وتبدأين في الحكي عن أيام وسنوات كثيرة مضت من حياتك، عن أبيكِ وإخوتك، وجدي والزواج، وبيت العائلة، والهجرة، والقاهرة، وجيرانكِ الذين أصبحوا جيران أمي بعد ذلك وتسألين عن أحوالهم، وعمن ما زال حيًّا منهم، كنتُ أستمع بحرص شديد وكأني أسجل تلك القصص لأحملها عنكِ، يومها طلبتِ أن أذهب لدولابكِ وأحضر صندوق قديم منه يشبه ذلك الذي تستخدمينه لأدوات الخياطة وكان سابقًا للحلوى، لكنه هذه المرة كان يحمل صورًا، الكثير منها، لأشخاص لا أعرف منهم غيركِ وربما جدي فبدأت تعرفيني عليهم هذا أخو جدي، وهذه أختك، وهذا جارٌ عزيز فرقتكم الهجرة، ذلك اليوم وبعد أن انتهينا من جميع الصور أهديتني محفظة جلدية كانت لجدي، وبطاقته الشخصية، ومسبحة غالية أحضرها لكِ أبي، وطلبتُ منكِ جواز سفركِ ذاك الذي انتهت صلاحيته لأني لم أجد صورة لكِ، هذا اليوم مر عليه أكثر من ثماني سنوات! أذكره كأنه أمس.

 أذكر أيضًا اليوم الذي طلبت منكِ أن ألتقط صورة لنا سويًا، فسألتيني إن كنت سأنشرها، أجبتكِ بنعم، فتعجبتِ ما الذي يهمني في أن ألتقط صورة معكِ بعد أن تقدم بكِ العمر! أخبرتك يومها أنكِ الجميلة دائمًا، وكانت أول صورة لنا، في المرة التالية سألتني ماذا قال أصدقائي حين نشرتها، فأخبرتكِ أنهم سألوني عن السيدة الجميلة التي أنا معها في الصورة، فابتسمتِ ولا أنساها تلك الابتسامة.

لم أكن أحكي عنكِ كثيرًا في الماضي، ولا أحكي عن سواكِ منذ عدة أشهر، ولا يسعني الكلام مهما حاولت، أخبرتني صديقة يومًا أن كل من أحمل لهم حكايتكِ يحبونكِ، تساءلت ماذا لو عرفوك حقًّا؟!، تعلمين؟ تفاجأت أمي حين كنا نتحدث عن غيابكِ فأخبرتها بعدد الأيام التي مرت منذ الغياب، لم تكن تتوقع أني أقوم بحسابها كل يوم، وكأني أنتظر أن الفراق ينتهي، وقد مر ما يقرب من مائة وخمسين يومًا، ولم ينتهِ بعد.

بالمناسبة، ما زلت أحتفظ بمحفظة جدي الجلدية، وبطاقته، وجواز سفركِ القديم، والمسبحة، وأحفظ الأغاني التي كنتِ تغنيها لي دومًا، أرددهم بين الوقت والآخر كي لا أنسى، ربما من الأفضل أن أكتبهم.

أعلم أنني أطلتُ الحديث، لكن سأُخبركِ شيئًا أخيرًا، منذ فترة وجدت أنني أحلمُ بالأشياء التي أفكر بها قبل النوم، فأخدتُ أفكر فيكِ كل يوم حتى أغمضُ عيناي علّي أراكِ، أن يزيد إلحاحي فتزورين أحلامي، حتى لو كان مجرد خرافات لعقلي الباطن، حتى لو لحظات، ربما تكون كافية لحضن اطمئن فيه، فهلا أتيتِ؟

حفيدتُكِ المُحِبة، والمشتاقة جدًّا».

 أكتبُ وأنا أستمع إلى مصطفى أمين يردد «احضنيني بقلب جامد هي ضمة الوداع» ربما هذه هي المرة الـ100 التي تبدأ فيها الأغنية من جديد، في الحقيقة إن الفقد موجع، كل الفقد، وإننا نحيا مع ذكريات تصرعنا أحيانًا، ونأنس بها أحيانًا أخرى، وإن الحزن ليس حرامًا كما يزعمون، لكن الأمل الوحيد أن نلتقي بمن نحب في الحياة الآخرة، وأن يرزقنا الله الجنة معهم، وأن نسعد هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد