منذ بداية الخليقة والوجود البشري المتحضر، كان الشعر يحتل مكانة مهمة ويتربع على مساحة واسعة من حياة الإنسان العالمي عمومًا والعربي على وجه الخصوص. وفي حضارتنا وتاريخنا العربي كان الشعر القارب العابر للزمن والمسافر عبر القرون مُحمَّلًا بأواني الحياة اليومية وزخرفات ستائرها وجدرانها، وأحاديث القصور والملوك، وأحداث الحروب، والحركات السياسية الجوهرية.

لم تهتم أمة على هذا الكوكب الصغير مقارنةً بجيرانه الكواكب الأخرى وبالفضاء الذي يسبح فيه بالشعر كما اهتم، وبرع فيه الإنسان العربي الذي عشق اللغة وتبحر بها، وكانت لغته الواسعة المرنة والجذَّابة عاملًا أساسيًّا في تكوين حالة الإدمان الأدبي والشعري لديه؛ فالعربي باختصار هو شعر، هو إدمان دائم يتجه نحو نصٍّ جديد أو قصيدة جديدة، هو عاشق متطرِّف جدًّا يرى في لغته حين ترتدي فستان الشعر ستَّ النساء وأجمل الملكات.

كل قصة حب عندنا تبدأ ببيت من الشعر وكل حرب تنتهي ببيت من الشعر، كل فصل من فصول السنة لدينا يسكن في قصيدة، وكل غيمة تطارد قافية عصيَّة تتفلت منها برشاقة عصافير الربيع الصغيرة، وكل أسماك البحار والأنهار والبِرْكات النائية في بلادنا تسترق السمع لشاعر يلقي بجواهر لغته الرنانة سرًّا إلى الرياح العابرة فتتشكل زوابع تتفرَّق هنا وهناك، وتتفتَّح حدائق برتقال، وأكلُ دُنيا، وياسمين هنا وهناك، وتتبرعم أغصانها على جدران الخلود ليتسلق عليها.

كان الشعر سيد المجالس، وسلطانًا على السلطان في كثير من الأحيان يصوّره كما يشاء يرفعه ويخفضه ويضعه بالمكان الذي يشاء على رفوف التاريخ، ويرهبه الحاكم كحامل البندقية والسيف تمامًا.

كان مؤرِّخًا، وثائرًا، وعاشقًا، وإمامًا ومعلِّمًا للعشق والعشَّاق. والشاعر هو من يشكِّل وعي الجيل بذاته وهويِّته، ويحدِّث لغته بما يلائم تطورات الزمان والحياة المتسارعة التقلب. وهو من يقع على عاتقه إحياء اللغة ومنع انزلاقها حتى التفتت مع انهيارات أذواق الجمهور، كلَّما انحطت بشكل عبثيٍّ.

والآن في عصر التقدم والحديث عن الرجل الآلي كامل الوظائف، مع انحطاط الشعور ومعرفة الإنسان بذاته، ومع عجزه عن التعبير عنها من جرَّاء انحسار اللغة لصالح لغات أجنبية أخرى، وبسبب تقلصه اللغوي واكتفائه بباقةٍ من أردأ مفردات اللغة المحكية وتعابيرها، ومع هواتف الآيفون الذكية، وحواسيب آبل، والإيموجي الضاحك والعابس والغاضب والمستهزئ. أصبحت علاقاتنا الإنسانية إلكترونية، مشاعرنا حتى إلكترونية، والتعبير عنها أصبح خاليًا من الشعور إلكترونيًّا بحتًا.

أصبح الإنسان الأول البدائيُّ، متقدمًا علينا عندما لم يجد ما يسكب عليه نفسه، فنحتها فوق صخور الكهوف وحيطانها، مُسيَّرًا بغريزة الإبداع البشري والبقاء بطريقة ما – فالشعر بقاء، كما سائر الفنون هي محاولة الإنسان للخلود – والتعمق في الشعور والإحساس ومعرفة النفس، فنقل لنا التاريخ والعلوم والحبِّ والغزل البدائيِّ الذي كان يمارسه بإحضار غزال نيئ على العشاء لمحبوبته، يرفع عليه أولى أعلام الغرام وانتصاراته. والآن، بهاتف ذكي أو عطر فرنسي أو غداء في أحد أفرع سلسلة مطاعم KFC الشهيرة، يصبح الواحد منا سيِّد فرسان الحبِّ والعاشقين، حين يقدِّم المادة لا شيء غير المادة، كأننا أصبحنا آلات لا تتعامل ولا تقدر على التجاوب والتفاعل إلا مع الأشياء المادية والمحسوسة.

أين اختفت واحة الشعر والأدب الخضراء، حيث يلتقي الإنسان بمشاعره ودوافعه وجهًا لوجه فوق ورقة. أيعقل يا أصدقاء، بعد كلّ هذا، أن يصبح الشاعر دجَّالًا ومشعوذًا؟ في عصر تردى فيه العقل، والقدرة على سبر أغوار النفس. فها أنا أرى أبا الطيب المتنبي، يمشي في زماننا هذا منبوذًا وحيدًا في أروقة حياتنا، متنكرًا كي لا نعرفه فنضعه تحت حدِّ المقصلة، لأنه عاجز عن إحضار لغةٍ ركيكةٍ هجينةٍ إلينا تتوافق مع قوقعة لغتنا الصغيرة والمليئة بالشروخ والنباتات والحشائش الضارة، ولأنه إنسان عظيم في زمن المادة والآلة وتسليع الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد