ظهرت في الأيام الماضية أصوات تندد بالعنصرية التي تعامل بها الجمهور والصحافة الألمانية تجاه اللاعب في المنتخب الألماني ذي الأصول التركية مسعود أوزيل على خلفية صورته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واعتزازه بأصوله التركية في حديثه، بالرغم من احترامه لجنسيته الألمانيه، لدرجة أن الكثيرين  من المسؤولين بالاتحاد الرياضي ومن الصحافيين والإعلاميين قاموا بجعله سبب هزيمة ألمانيا في مونديال روسيا الماضي!

وبالرغم من أن المنتخب بأكمله قدم مبارايات مخيبة، لكن كان أوزيل دون مبرر حقيقي اللاعب الأكثر استقطابًا للانتقادات التي استندت إلى واقعة صورته مع الرئيس التركي لتقييم التزامه باستحقاق تمثيل ألمانيا، وبعدما تم توبيخه من قبل الاتحاد الألماني تم انتقاده أيضًا من قبل بعض الشخصيات السياسية الألمانية والرياضية، ومن اليمين المتطرف على وجه الخصوص، وظهرت الكثير من الأصوات لدى الجمهور والإعلام الألماني المطالبة بطرد مسعود أُوزيل من المنتخب! فقام اللاعب بالإقدام على اعتزال اللعب الدولي، وترك تمثيل المنتخب ردًا على هذا الهجوم وهذه العنصرية.

الأمر الذي يدفعنا للحديث عن منشأ وتطور العنصرية في أوروبا

فدائمًا ما كان الأوروبيون عامة والألمان خاصة لديهم فكرة التفوق العنصري، بالرغم من حديثهم المتكرر عن الإخاء الإنساني والحرية والمساواة، فقد شهد تاريخهم وحاضرهم بهذه العنصرية، وبالنسبة للألمان فموقفهم كان واضحًا، ولدى معظمهم فكرة التفوق العرقي، وليس من الصحيح القول إن ذالك وليد عصر النازية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي؛ فالنازيون كانوا حصيلة روافد أفكار نشأت قبل ذلك، وتحديدًا  انتشر هذا الفكر في منتصف القرن التاسع عشر مع انتشار كتابات فلهلم هيجل، ويوهان فخته، ويوهان فون هيردر.

ويقول مثلًا هيردر الذي عاش في أوائل القرن التاسع عشر: إن هناك سلالات بشرية خلقت للرقي، وأخرى قضي عليها بالتأخر والانحطاط، بل إن هذه السلالات المتخلفه يجب أن تظل كذلك؛ لأنها ليست أهلًا للرقي والتقدم!

ولا شك أن كان لهؤلاء الفلاسفة الغربيون الريادة في نقل الحضارة الغربية من عهود التخلف والانحطاط في القرون الوسطى إلى عصر النهضة في العصر الحديث، وهي النهضة التي بدأت أولًا في القرن الرابع عشر في إيطاليا، ومن ثم انتشرت إلى باقي الدول الأوروبية. وكان نتاج هذه النهضة هو عهد التنوير في القرن الثامن عشر، وكذلك الاستعمار واستغلال الشعوب الأخرى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبالرغم من هذا الإنجاز المادي والفكري، إلا أن الفلاسفة أنفسهم قد مارسوا ما مارسه أقرانهم من علماء الطبيعة والدين. فإننا نجد مثلًا الفلاسفة أمثال: فولتير وروسو، قد نادوا في كتاباتهم بالحرية والمساواة، في حين نجدهم يعتبرون الرجل الأسود طبيعيًا أحط من الرجل الأبيض في مقدرته العقلية!

وفي هذا يقول ديفيد هيوم الفيلسوف البريطاني الشهير بالحرف الواحد: ليس هنالك أي أمة متمدنة من أي لون غير الأمة البيضاء!

وبإلقاء نظرة فاحصة على واقع المجتمع الأوروبي بعد تطور هذه الأفكار وانتشارها يتضح لكل ذي بصر وبصيرة أن العنصرية تطل برأسها الأخطبوطي في الكثير من البلدان الأوروبية:

فقد ظهر الحزب النازي في ألمانيا النازية عام 1933، وهي حركة سياسية تأسست في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تمكن المنتمون للحزب القومي الاشتراكي العمالي الألماني تحت زعامة أدولف هتلر من الهيمنة عام 1933 على السلطة في ألمانيا وإنشاء ما سمي بدولة الفوهرر، وما زالت هذه الأفكار والأهداف موجودة في عقائد وأنظمة بعض الأحزاب والمجموعات اليمينية وتسمى اليوم بالنازية الجديدة (القومية الجديدة).

 

وفي نفس الحقبه  ظهرت الفاشيه بنظامها السياسي الذي أنشأه موسوليني في إيطاليا  في الفتره من عام 1922 حتي عام 1945، قائم على دكتاتوريَّة الحِزب الواحد، والحماسة الوطنيَّة والعنصرية.

وبريطانيا أيضًا لم تكن العنصرية يومًا غريبة عن المجتمع البريطاني، فبعد انتصار الفاشية في إيطاليا، والنازية  في ألمانيا، أسس البريطاني أوزوالد موسلي اتحاد الفاشيين البريطاني عام 1933، وقام أعضاء الاتحاد آنذاك من أصحاب القمصان السوداء بالهجوم على الأقليات المهاجرة في شرق العاصمة لندن، وفي مايو (أيار) 1976 لقي صبي من أبناء المهاجرين في العاشرة من عمره مصرعه على يد عصابة الحزب القومي من الشباب البريطاني، حيث صرح أحد قادة الحزب ويدعى جون كنجسلي بتصريح عن الحادث، جاء فيه: نعم.. واحد يسقط ضحية، لكي يغادر مليون إنسان هذا البلد بريطانيا!

وبالنسبة للألمان لاحقًا بعد خروجهم من الحرب العالمية الثانية التي تم فيها تسوية المدن الألمانية الصناعية الكبرى بالتراب، سعى الألمان بعدها لإعادة إنتاج دولتهم الصناعية ومحاولة تحررهم من هيمنة المنتصرين، وبالأخص في الفترة بين عامي 1950 – 1970: حيث كانت فترة قفزة ألمانيا بعد الحرب المدمرة. كانت المعجزة الاقتصادية الألمانية المنشودة تحتاج إلى يد عاملة بسرعة، فأبرمت جمهورية ألمانيا في خمسينات القرن الماضي اتفاقات مع دول عدة منها وتركيا، لتوظيف عمال وشملت حركة نزوح كبير لكثير من الأتراك المسلمين لألمانيا للعمل، ثم أصبح أبناء وأحفاد هؤلاء المهاجرين جزءً من المجتمع.

ومع الوقت  صار المسلم عامة، والتركي خاصة في ألمانيا قضية الساعة، فإذا تحدث الناس عن البطالة أقحم الأتراك على أنهم السبب في تفشيها، رغم أن الألمان دفعوا بهم إلى الأعمال التي يأنفون منها، مثل: المناجم وشق الطرق، وسائر الأعمال الخطرة، وإذا استعر النقاش حول مشاكل البيئة زج بهم أيضًا لأن ذبائحهم الحلال سبب القذارة!

في النهاية فالعنصرية تنمو وتكبر في ميادين التمييز والتفرقة وربما الجهل والتخلف، وتنبع من مفهوم مغلوط لا يرتبط بالإنسانية أبدًا؛ لأنّ الله قد أوحى إلينا بالدّين عبر رُسله وسنّ الشريعة التي لا تفرق بين الناس، فهم سواسية لا يفرقهم لون أو دين، ولا تمايز بينهم إلا بالتقوى، فالخلق الذي تدعو له كل الأديان هو الهوية الوحيدة التي من الممكن أن تجعل من الإنسان إنسانًا أفضل. بالعلم والمعرفة لا بالجهل يستطيع الإنسان أن يعلو ويرتقي بفكره، ليؤسس قاعدةً نفسية متينة تنهض بالمفهوم الإنساني لينشر فكره في العالم أجمع، متنها أن البشر سواسية لا فرق بينهم، متساوون جميعًا فلا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتّقوى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أوزيل
عرض التعليقات
تحميل المزيد