(فلسطين) كلمة لا تعني «شيئًا» محددًا، وهي بالتالي بلا مفهوم؛ نحن أمام سلسلة من الألفاظ (بدل المعنى) المتضاربة، أحال عليها لفظ ليس بقطعي الدلالة؛ أهي الوطن أو الأرض؟ فلسطين: الغربة، المنفى، التضحية، الوجع، المذلة، المجد، الخيانة… وأشياء أخرى حسب المقام والمقال.

فلسطين كوطن

كانت فلسطين معنى لوطن يلف شعبًا أبيًّا عزيزًا؛ لفظ منسيّ مقرون ببراءته، علاقة إحالة قطعيّة جمعت لفظًا بمعناه، لكنها لم تدم طويلًا، لمّا ضبط اللفظ في تعالق مشوب، بتاريخ غير بريء ولا ينسى؛ «هل نختار فلسطين أم الأرجنتين؟ إننا سنأخذ ما يعطى لنا، وما يختاره الرأي العام اليهودي… »*، بهذا أعلن ثيودور هيرتزل، وهو يصوغ فكرته الجهنمية، إعادة النظر في براءة هذا اللفظ؛ وإغراقه بمعانٍ متعددة، لا نهائية؛ يستدعي بعضها بعضًا بالتلازم ثم بالتداعي.

(الوطن) لفظ حديث العهد، يتقمص دلالات متعددة حسب سياقه الضيق، من خلال مفاهيم أخرى جزئية منها؛ الأرض والحدود والشعب (مواطنون)، وقد يطلق لفظ الوطن ويراد به معنى «الأرض» من باب إطلاق الكل وقصد الجزء، والواقع أن هذا المعنى الأخير، الأصلي، هو المقصود في أغلب الأحيان، لدوره الأساسي في بناء دلالة لفظ الوطن بمعية الشعب، سكّان الأرض ومعمّريها. لفظ (الوطن) إذن لا يقل التباسًا عن لفظ (فلسطين)؛ التباس قد يكون من مصاحِبات المراحل التكوينية الأولى (أو من تداعيات مراحل السقوط النهائية، مع اللفظ الثاني).

فلسطين كأرض

إن لفظ (الوطن)، «الحديث» أو «المتحضر»، تم تنزيله منزلة لفظ (الأرض)، «القديم» و«اللامتحضر» إذن. نحن الآن أمام مفهوم أصلي، لا التباس في دلالته، وهو الأرض، وألفاظ تائهة، أُنتِجت في سياقات خاصة جدًّا، تبحث لها عن مقابل يكمل دلالتها، لا ضير في مقاسمته مع غيرها إن كان لا بد. الحقيقة أن كل الألفاظ غير بريئة كفاية، بل يختلف حجم «استفزازها» باختلاف حمولاتها الدلالية، التي تمنحها قيمة مميزة. لكنها، أي الألفاظ، في منتهى البراءة باعتبارها مجرد علامات أو رموز. وتتحدد قيمة كل علامة بحسب سياقها العام والخاص، وعلاقتها ببعضها ضمنه؛ بعضها تُنقص دلالة الأخرى وقد تُبطلها، وبعضها تثمِّنها وتزكِّيها. ولفظ (فلسطين) باعتباره معنى لمفهوم الوطن، وطن ما، كدلالة لفظ (المغرب) على وطن المغرب… إلخ، لا يطرح أي ميزة استثنائية – غير منسية بالتالي. كذلك الأمر باعتباره معنى لمفهوم الأرض، أرض ما.

«أما فلسطين فإنها وطننا التاريخي الذي لا تمحى ذكراه»*؛ الوطن هنا بمعنى الأرض، أرض ليست ككل الأرض في ذاكرة هيرتزل؛ إنها أرض الله «المقدسة»، التي اصطفى بها من يشاء من عباده. إن لفظ (المقدس)، في حقيقة الأمر، هو الإضافة التي أرْبَكَت سيرورة كل المفاهيم المذكورة، لاستثنائيته أولًا، ثم بطوباويته المتعالية؛ الرافضة لوجود غيره وحقه النسبي؛ في الدلالية والتداولية. من خلال إقحامه لسلسلة طويلة من الألفاظ، المتلازمة؛ منها ألفاظ (الاصطفاء)، (السمو)، (الأحقية)… إلخ التي تعتبر منتهى الاستفزاز بكل أبعاده، في سياق التعايش المشترك مع الآخر، وحقه الأنطولوجي بالخصوص.

فلسطين وكفى

لنا أن نتساءل؛ كيف سيكون وضع فلسطين باعتبارها مفهومًا لا استثنائيًّا؛ بريئًا وغير مقدس؟ هل جرَّبت فلسطين هذا الشعور المنسيّ يومًا؟ وهل هو ممكِن بعد كل هذا؟ الأجوبة غير معروفة، أما عن الشعور فلنا أن نقول؛ إن التعاطف المبالغ فيه (لكونه فعلًا مقدسًا، وليس نبع وجد مستجيب) تجاه كل ما هو فلسطيني؛ أفرز لنا حالة إحباط كلية، ليست في صالح الكل (المتعاطف، المتعاطف معه، بل حتى فعل التعاطف…) تعاطف مصطنَع، ولا شيء غيره، صار فعلًا مبادِرًا بدل أن يكون رد فعل عفويًّا، وغدت فلسطين «رمزًا» لهزائم الأنفس وعقدها الفِصاميّة.

    

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد