كتب صديقي يقول: «هذه الزاوية الضيقة التي تمت برمجتها وطبخها على نار هادئة، هاته الزاوية التي يحصر فيها العرب والمسلمون القضية الفلسطينية في المسجد الأقصى وأغلبية المسلمين يرون أن الأقصى قبة الصخرة».

نعم يا صديقي، مصيبتنا اليوم أكبر من القدس، وإن خيل لهم أنها أعظم الطامات. مصيبتنا أننا طبعنا مع الموت اليومي في فلسطين، أن صار المشهد الفلسطيني الغارق في دمه مألوفًا وعاديًا. أننا لم نعد ننتفض على التهجير والطرد والتنكيل. لم تعد صور الأمهات الثكلى تغضبنا، شفي القلب من دموع يتامى فلسطين وأراملها، ولم ننتفض إلا لأنهم سيأخذون منا الأقصى.

قبل سنوات، وحدها صورة الدرة يستشهد في حضن أبيه كانت كافية لزعزعة الضمير العربي، اليوم لا أتجرأ على تخيل ردة فعلنا نحن العرب لو أن الدرة مات في زمننا هذا.

معطوبون نحن في إنسانيتنا وعروبتنا وديننا، إن ظننا أننا نؤدي واجبنا القومي والإنساني بالانتفاض من أجل القدس بعد أن سكتنا عما يصيب أهلها، مصابون في إنسانيتنا لأننا انصرفنا عن وطن تحت الحصار، وخيل إلينا الآن أن المسجد جدير بالنصرة لا الإنسان. معطوبون نحن في ذكائنا إذ ظننا أن الأقصى خط أحمر بالنسبة لهم. الخط الأحمر كان يجب أن يرسم على حدود الأرض، على عتبة بيوت الفلسطينيين وأطفالهم. الخط الأحمر كان يجب أن يعلن دم الفلسطيني وكرامته وحريته، منطقة محظورة على الغاصب. ولكنه، ومع كل مرة تخاذلنا فيها عن القضية، زادت رقعة المستباح وصغرت رقعة المحظور في أعينهم وأنفسنا، واختزلت في مدينة ومسجد.

أعداء فلسطين يدركون اليوم أن تحركات العرب في ما يخص فلسطين لا تعدو أن تكون ردات فعل عاطفية ومؤقتة، تتلاشى في غضون وقت وجيز. سيخرجون في مظاهرات، سيثورون في المواقع الاجتماعية، سينددون ويشجبون، ثم سينسون وينصرفون إلى حياتهم؛ لأن القضية لم تعد تعني لهم ما كانت تعنيه في السابق.

لماذا إذن ضعف ارتباطنا بالقضية؟ ماذا حدث بين النكبة والفترة الراهنة؟ بنظري، تخاذلنا عن القضية هو نتاج سياسات امتدت سنين طويلة وسخرت لها جميع الوسائل الدينية والنفسية والإعلامية والفكرية. فمن جهة، خطاب ديني سيساوي، جعل للمسلمين أعداء وهميين. فانصرف المسلمون يتطاحنون ويتقاتلون، وانشغلوا بنزاعات لا رابح فيها إلا ذلك المتفرج الخبيث المنصرف إلى تدبير أموره في راحة بال؛ لأن عدوه منشغل عنه بهدم البيت وتفرقة الأهل.

ثم «مثقفون» حاملون لفكر مسموم، دعاة التفتح، أولئك الذين تنصلوا للقضية والعروبة كمن ينسلخ من جلد جذام، دعاة الانتماء أو أولئك الذين تدفعهم عقدة النقص إلى اعتناق أفكار الغرب ، في محاولة بائسة للإحساس بتقبل الآخر له. وكأن في التنكر للقضية ترفعًا أو رقيًا. حتى إن فيهم من يناصر إسرائيل ويرى أنها أحق بالأرض. ونسي هؤلاء أن دعم فلسطين واجب على كل مثقف نزيه فكريًّا؛ لأنها قضية عادلة إنسانيًّا وحقوقيًّا بشهادة مفكرين غربيين؛ بل وحتى يهود.

ثم السلاح الأخطر والأكثر فتكًا، الوسائل الإعلامية الضخمة التي سخرت لسلب الإرادة وطمس الهوية. كل تلك القنوات ذات المحتوى المبتذل، التي تستغل نقاط الضعف، لإلهاء الشباب عن قضاياه الكبرى. أو تلك القنوات ذات المحتوى الفكري «المقنع» والتي تسعى إلى تسويق بروباغاندات تضر القضية ومناصريها.

ونتيجة لذلك نحن اليوم أمام عربي أو مسلم يتخبط بحثًا عن الهوية، إحساسه بالانتماء للقومية وقضاياها في تدهور مستمر.
إلى كل هذا تضاف كل الحروب والنزاعات التي جعلت معاناة الفلسطيني تضيع وسط كل صور الدمار والموت والدم التي تتناقلها وسائل التواصل من سوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، والتي أدت إلى التطبيع نفسيًّا مع الموت والمعاناة والقهر وتلك مصيبة أعظم!

فدعونا لا ننسى فلسطين، دعونا لا نحصر فلسطين في القدس. فلسطين: الأرض، شجر الزيتون، المخيمات، الأسرى، الشهداء، يتامى الوطن، أرامله. كل ما فقدنا، وكل من فقدنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد