لتقتنع يا عزيزي أن غزة ليست محتلة، إنما أهلها هم السبب في ذلك، وبأفعالهم العدوانية يعطون الإسرائيليين مبررات لاحتلالهم وقتلهم.
لكن لا تنسَ أن أهلنا في غزة هم جزء منّا، كعرب وكمسلمين، ويستحقون الحياة والحرية على اعتبار أنهم «بني آدمين».

لتقتنع أن حماس جماعة إرهابية، تقتل المدنيين والعسكريين المصريين البسطاء في سيناء، وتقتل الإسرائيليين المسالمين الطيبين، ولا تقاتل جيش الاحتلال، بل تتعاون معه، وتخون وطنها.
لكن لا تنسَ أن حماس حركة مقاومة، وحينما كُنت تهاجمها كانت هي تهاجم محتّلًا، وتدفع اعتداء وتحمي أرضًا وعِرضًا.

لتقتنع أن السلطة التنفيذية الفلسطينية تحصل على مكاسب كثيرة من المفاوضات وموائد الحوار، وأن الحل السلمي هو الوسيلة الوحيدة لحل القضية الفلسطينية.

لكن لا تنسَ أن هذه المهاترات لم تثمر شيئًا منذ احتلال فلسطين، ولم تعط حقًا لصاحب حق، إنما زادت تجبر الاحتلال وصفاقته.

لتقتنع أن قادة العرب يساعدون الشعب الفلسطيني، ويتحركون لحل القضية الفلسطينية، فالشجب والإدانة أسلحة فاتكة بالعدو، ترجفه في بروجه المشيدة.

لكن لا تنسَ أن قادة العرب من أسباب استمرار الإجرام الإسرائيلي، بتخاذلهم وتطبيعهم، وصفقاتهم القذرة مع الاحتلال.

هذه عينات من الهراء الإعلامي الذي يتم تداوله بعد كل عدوان على غزة، والذي يمكن أن تطلق عليه التعبير الشائع «الهري والهري الآخر»، الكل يهذي ويلغو، ولتسقط اللعنات على القضية، وليذهب الأبرياء إلى الجحيم، وليتقبل الله دعانا، ولنتلقى الطعنات بأيدينا؛ فالأمر يقتصر على ذلك.

كلنا رامٍ بحجر قذفه به غيره، والذي بدوره قُذف به من غيره؛ ليقذفه على غيره، رماه به غيره قبلًا.. وهكذا دواليك، نلقي أنفسنا بالحجارة، ولا نلقي عدونا.

«من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر»، هكذا يقول المأثور القديم، ولكن عذرًا إن سمحتم لي، من كان منكم بلا خطيئة؟ كلنا غرقى في بحار من الأخطاء، ننشد السلامة والنجاة، قد نبلغها فنرسو على بر الأمان، وقد لا نبلغها فنظل في لجّة نُصارع ونتصارع، حينها يكون الحل أن نتخلص منها بإلقائها على غيرنا ليغرق فيها فننجو منها، ويزداد الغرقى، ولا يصل الناجون للبر، وهذا هو «الحل الاستراتيجي» الذي يتبعه معظمنا، والذي تتخذه نظمنا الحاكمة ديدنّا في التعامل مع قضية فلسطين؛ فهي تُغرق شعوبها لتنجو، وتتركه يقاسي ويعاني ليحاول نجدة الملهوف، فتشغله بالرأي والرأي الآخر، وتدّعي العمل على جهود لحل النزاع وعودة الحقوق، وهي لا تعرف من الحقوق إلا حقها في البقاء على رقاب شعوبها.

أما عن الإعلام فهو حجر آخر يقذِف ويُقذَف، لا يعرف إلا البروباجندا وإدعاء المهنية، ويا لها من مهنية حين نستضيف متحدثي جيش الاحتلال وساسته ومنظريه وأكاديمييهة تحت دعاوى الحرية والرأي والآخر، وبعدها يعلنون ببجاحة على الشاشات أن فلسطين هي قضيتهم الأولى!

وأما بعد..

فسيستمر العدوان والاحتلال والقصف، سيظل الجرح القدسي ينزف، وسيظل «الهري والهري الآخر» إلى وقت أن يشاء رب المشيئة، لكن لا ترمِ نفسك وغيرك بحجر، فلتضع الحجر جانبًا وتصمت، أو تقذفه في وجه المحتل إن استطعت، وإذا كان الكلام أقل ما تملك أو أكثره فلا تبخل به، فإن اقترب يقينك مثلي بأن الله سيسألك عن القدس، وماذا فعلت لها، فلتكن لديك إجابة، ولا يكن الصمت إجابتك، فلو نعلم قتالًا لقاتلنا، ولو تعلمنا جهادًا لجاهدنا.

أهٍ يا ابنة الأقصى، يا كاشفة الرجال وأشباههم، يا فاضحة الحلماء والسفهاء، ياعالية المقام والقامة، يا عفيفة النفس، اطمئني.. مازلت كغضن أملود يورق وردًا، لا يزال حياؤك في خدرك، انتظري يا قبلة الشهداء، تعلمين أن للانتظار نهاية، وتعلمين ماهيتها، وهذا ما يطلق مردة جنونهم عليكِ، يقيني أن البلاء ليس لك، البلاء لنا، وأيّنا أحسن عملًا؟ أيّنا أحسن عملًا؟

اتقوا الله في فلسطينكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد