تمثل منظومات الصواريخ باتريوت أحدث أنواع أنظمة الدفاع والحماية الكاملة لرقعة الدولة الجغرافية، ضد أي هجمات محتملة بالطائرات أو الصواريخ، وبالرغم من النسبة الضئيلة التي ربما تقترب من الصفر في عدم إصابتها الأهداف في بعض الأحيان، مثال علي ذلك فشلها في التصدي لسقوط بعض الصواريخ الباليستية الإيرانية علي المملكة السعودية (بالرغم من احتماء المملكة السعودية الكامل) في حرب عاصفة الحزم، التي تحارب فيها المملكة السعودية ودول التحالف العربي الحوثيين اليمنيين، والتي كان من نتائجها الوخيمة والمؤلمة، موت الآلاف من الأطفال الأبرياء، وهلاك المدنيين بالكوليرا والأوبئة والمسغبة، وكان الذي ينبغي أن تفعله الأطراف في الدولتين هو الحوار والمفاوضات، بدلًا عن اختيار الحرب والانزلاق إليها، والتي لا يعلم احد متي تنتهي، بعد أن دخل في حومتها كل مرتزق ومنتفع وسارق لحضارة الأمة الإسلامية.. بالرغم من النسبة الضئيلة في عدم إصابة الصواريخ، إلا أن منظومات الصواريخ الباتريوت تبقى أحدث ما توصلت إليه التقنية العسكرية والأنظمة الدفاعية في حماية الدولة.

  في الأيام الماضية نقلت صحيفة وول ستريت جورنال خبرًا مفاده أن جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي طلب سحب أربع بطاريات الباتريوت من ثلاث دول عربية، وهي الكويت والبحرين والأردن، في اتجاه لتحويل التركيز على الصراعات في الشرق الأوسط، لمواجهة التوترات والأخطار والهجمات المتوقعة من روسيا والصين، وبالفعل تم سحب نظامين لصواريخ الباتريوت من الكويت وواحد من البحرين وواحدمن الأردن.

  ومع ذلك فإن تبرير وزير الدفاع الأمريكي لسحب بطاريات الباتريوت يظل غير مقنع، في وجود ما تفرضه وتؤكده معطيات الواقع والأحداث في المنطقة، وذلك في تقديري لعدة أسباب منها: أولًا أن حجم الهجمات والأخطار المتوقع حدوثها من الصين وروسيا، تستدعي زيادة نصب منظومات الصواريخ الدفاعية والتجهيزات الوقائية، في الأماكن التي ربما تمثل سدًا منيعًا ودفاعيًا، بدلًا عن سحبها وتنقيص خطوط الدفاع، هذا إذا كانت فعلًا ثمة أخطار أو هجمات، غير أن الواقع في المنطقة يشير أن الأخطار المتوقعة بالفعل أو التي يمكن أن تمس الأمن القومي لدولة الاحتلال هي من الدول العربية ذاتها، وهي تظل فرضية متوقعة في المنطقة مهما كان ضعف الواقع العربي الحالي المنظور، ولعله من المناسب هنا أن أشير إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في محاربة «تنظيم الدولة الإسلامية» تحت مسميات محاربة الإرهاب والتطرف، والقضاء علي أصول الشر، وما لحق بالأمة الإسلامية جراء هذه الحروب الضارية، وهذه الفرضية من ثم تعتبر رقمًا لا يمكن بأي حال من الأحوال إسقاطه من الذاكرة الأمريكية وحليفتها إسرائيل، ومع هذا فإن الأخطار المتوقعة من الصين أو روسيا أو حتي كوريا الشمالية، ربما لا تكون مصدر قلق وإزعاج للإدارة الأمريكية وصقورها، بقدر ما يمثله القلق الناجم من المنطقة العربية المتاخمة حدوديًا لإسرائيل.

  إضافة إلى ذلك، فان ما ذكرته بعض المصادر الأمريكية التي تزعم أن دول الخليج تمتلك سلاحًا جويًا كفؤًا مقارنة بإيران، في مقاربة منها لتبرير سحب المنظومات، فهذا الزعم يظل غير مستساغ، لأن التهديد الإيراني لدول الخليج يأتي من مقدرات إيران الصاروخية المتطورة، والتي بلغت فيها مراحل متقدمة إلى الحد الذي يجهر فيه آيات إيران بتحدي الولايات المتحدة والشيطان الأكبر، واستعدادهم الكامل لمنازلتهما.

ثانيًا: إن سحب منظومات الصواريخ يعني من جهة أخرى إضعاف الدفاعات العربية إلى أقصي الحدود، وهذا ما يخدم مصلحة الأمن القومي لإسرائيل؛ لأن إمداد الدول العربية بأحدث التقنيات العسكرية ليس من مصلحة أمنها، ويشكل تهديدًا مباشرًا لها، وبالرغم من تأكيد رئاسة هيئة الأركان العامة الكويتية، أن الغرض من المنظومات هي حماية القوات الأمريكية، إلا أن سحب الأنظمة الدفاعية من هذه الدول الكويت والبحرين والأردن يجعل الوضع الدفاعي الجوي لها مهتزًا ومكشوفًا. وليس من المستبعد أن يتم لاحقًا سحب القوات الأمريكية المرتكزة في الدول الخليجية والمملكة السعودية.

  ومع هذا فربما يمهد إضعاف الدفاعات في المنطقة العربية مع استمرار وتواصل النيران العربية فيما بينها، وانسداد الأفق السياسي من ناحية ثانية، في إتمام صفقة القرن التي يشرع ترامب وإدارته في إتمامها، والمقصود بصفقة القرن الغامضة هي إجلاء الفلسطينيين من فلسطين العربية. أعتقد هكذا يخططون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s