من أكثر المضارين في رحلة الحياة نوع من الناس تجدهم في كل شارع رئيسي، وكل حي ومدينة، ولكنهم يقلون كلما عطفت ودخلت إلى حارة جانبية قلوا وانتفضوا وذهبوا بعيدًا عن طريقك، كما أن بريقهم قد يلوح لك في البداية، حتى إذا اقتربت لتتحقق لم تجدهم «هم».

أولئك هم «الطيبون» أو المُضارون في كل أزمة نابعة من القيم، ومن قبلها الدين، أو حتى في خلافات معهودة غير عابرة في حياتنا، كقضايا الميراث؛ وتوزيع الحقوق، وفي الغالب رد الأمانات إلى أهلها، وهؤلاء إن ثاروا وطالبوا بحقوقهم وانتفضوا وقالوا إنهم لن يصمتوا طويلًا، وجدوا مَنْ ينصح ويهتف بداية من الأذن حتى أعمق «سويداء الروح»: هل ستُجرح في أهلك من أجل «قليل» من هذه الحياة الفانية.

إنهم مضارون على الدوام بعمق؛ وإن غيروا خارطة حياتهم ووجودهم، وشاءت لهم الأقدار أن يرتجفوا من تغيير الأجواء قبل الجو، وبالتالي التوزع في البلاد؛ يظنون أن ملامحهم تدل عليهم، وتخبر الناس بأنهم «ملح الأرض»، وقد غادروا جزءًا منها وحلوا بعدما ارتحلوا إلى «هنا».

هؤلاء «البسطاء» الذين قال فيهم «فولتير»: «يولد البشر ويتألمون ويرحلون»!

هؤلاء لا يعرفون، باختصار، وهذه أبرز علاماتهم، والمقاطع الفريدة الدالة المختصرة من تواريخهم، لا يملكون مفكرة يتحركون بناءً على إرشاداتهم، ولدى السادة المثقفين يسمون هذه الحالات بأنها بلا «أجندة»، وحينما تسمعهم يقولون ذلك تتأكد أنهم يقصدون أولئك الذين بلا ما يمكن تسميته بـ«ترمومتر فطري» لإدراك درجة الحرارة، وأخذ الحيطة والحذر، وارتداء الملابس المناسبة.

وإن لاقيتَ واحدًا مثقفًا من «غير» هؤلاء، وكان أكثر صدقًا معك ومع النفس؛ قال لك بسرعة «أبرز علاماتهم» لديه: «لا يعرفون كيف يأتون بالمال».

إنه يقصد أنهم لا يدورون في فلك المصلحة إذ تدور، ولا يتعلمون فنون «إدارة العلاقات» بالفطرة؛ دون التخرج من معهد أو مدرسة، فتجدهم لا يعرفون كيف يضحكون في الوقت المناسب لهذا، ويخاصمون ذاك، وفي النهاية كله يصب في الجيب قبل غيره من العلاقات.

هؤلاء في الأزمات والملاحم والفتن وقودها؛ به تسعر وتشتد المعارك، تجدهم تحت أقبية السجون، بل على أعواد المشانق، لأسباب واهية غير مقنعة، لم يتركوا لأبنائهم إلا الدموع في المنافي القريبة والبعيدة، لا تُبقي عليهم وظائفهم، ولا يُبقون في النهاية على منفعة إن لم تكن ترضي أرواحهم وضمائرهم في المقام الأول.

تُرضيهم أقل اللفتات كما تغضبهم أدنى الكلمات، في الأحزان تجدهم سباقون لعزاء الآخرين، وفي الأفراح يختفون تمامًا.

لا يرضى عن هؤلاء «هؤلاء» الذين طردوهم من الحياة وديارهم، ولا «أولاء» الذين يصطحبون المحنة بلكنة: «إن لم تجد النار شيئًا لتلتهمه أكلت نفسها»، فترى الأخيرين يتكالبون ويصطخبون ويتسارعون لما بقي لهم من فتات الأرزاق؛ أما أصحابنا فيقبعون في الدنيا، ويرتفعون شرفًا مع الذين: «لا يسألون الناس إلحافًا».

ولد هؤلاء وآمنوا كما ينبغي أن يكون الإيمان ثم في صمت يرحلون، يذهبون مع أولئكم الذين قيل لأمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» عقب معركة القادسية: «واستشهد خلق كثير من المؤمنين، يا أمير المؤمنين، لا نعرفهم! فقال، رضي الله عنه، على البديهة، وقد سبقته دموعه: وما ضرهم ما لم يعرفهم عمر وقد عرفهم الله في عليائه!».

هم ملح الأرض خلقهم الله تعالى ضمن «إنا كل شيء خلقناه بقدر»؛ وزعهم بعنايته على أقطار الكون، يشار بالبنان وتتجه الأرواح إليهم، وجودهم دليل في ذاته على وجود الله، إذ إن أمثالهم يرزقون، رغم انعدام قدراتهم على المكر والترتيب والتهذيب اللازم في عرف الكثيرين لاستجلاب الرزق، والسير بالقارب وسط فتن ومتاهات الحياة، إلا أنهم يرزقون وفقًا للحديث القدسي: «وعزتي وجلالي لأرزقن عديمي الحيل حتى يتعجب أولو الحيل والنهى»! أو كما قال رب العزة.

اللهم اجعلنا ممن يزول عرض الحياة الدنيا عنهم، وهو زائل عن الجميع، ويأتونك وقد رضيتَ عنهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد