كيف تجعلنا الفيزياء نبدع في كتابة المسلسلات؟ حسنًا هي كذلك من خلال المسلسل الألماني Dark، تتمحور قصة Dark حول مفهوم الزمن، من خلال سرد درامي يتأرجح بين الخيال العلمي والغموض لمجموعة أحداث تجري في بلدة ألمانية تدعى وندن خلال عام 2019.

تحوي البلدة مفاعلًا نوويًا، وفي مرحلة الثمانينات حدث اكتشاف سري لجسيم جديد من خلال التجارب التي كانت تجري داخل المفاعل، دُعي بـ(جُسيم الإله)، وهذا الاكتشاف أدى لظهور ثقب دودي وفتح ثلاث بوابات للزمن في أحد كهوف البلدة، تصل الأولى إلى سنة 1986، والثانية إلى 1953، والثالثة إلى 2019، ولسبب لم يظهر بعد في المسلسل الفارق الزمني بين البوابات 33 عامًا، لذلك من يدخل الكهف في عام 2019، ويصل إلى البوابة، يكون عليه الاختيار بين بوابتين، فإما أن يذهب للعام 1986، أو 1953، أيضًا من كان في عام 1986 ودخل إلى الكهف، يستطيع اختيار إحدى البوابات التي تنفذ به إلى عام 2019 أو 1953.

أول الأحداث التي تجذبك إلى المسلسل في بدايته عندما يدخل الطفل ميكيل – أحد أطفال البلدة – في عام 2019 إلى الكهف ويتيه ليصل إلى البوابات، ويختار إحداها لتأخذه إلى العام 1986، عند ظهوره فجأة في عام 1986 تتبناه ممرضة وتسميه ميشيل، يعيش ميشيل ويكبر ويتزوج، وعندما يصل إلى العام 2019 يرى ميكيل الصغير، يلتقي نفسه عندما كان طفلًا في البلدة، حينها يقتنع أن ما مرّ به لم يكن هلوسة أو مرضًا، ويعرف أنه أتى من المستقبل حينها، وقد عرف مسبقًا بأنّ ميكيل الصغير في 2019 سوف يختفي من البلدة ويعود إلى العام 1986، وهذا فعلًا ما حدث، لم يستوعب ميشيل الكبير الأمر، وعلم أن كل هذا حلقة لا يمكن الخروج منها، لذلك يقوم بالانتحار.

تتشكل رابطة من مجموعة أشخاص تُدعى هكذا خلق العالم، ويكونون من المسافرين عبر الزمن، أي أنهم يتنقلون في 2019، 1986، 1953 في الوقت الذي يشاءون، وهم الذين سيطروا على جسيم الإله ومادته التي تعطيك القدرة على التنقل بين هذه الأزمنة، ولسبب ما يخططون لتدمير العالم، وبدأ حربًا ضد الزمن وضد الإله، حيث في رأيهم أن الإله الذي عبده البشر خلال آلاف السنين والذي يجعل كل شيء متماسكًا ليس إلا الزمن، هو ليس كيانًا، بل هو قانون فيزيائي لا يستطيع المرء التغلب عليه، وأن قدرنا ليس سوى سلسلة من الأسباب والنتائج المحكومة بالزمن، فعندما نكسر حلقة الزمن نستطيع قيادة العالم نحو شيء ما مختلف.

رغم أنه مسلسل يصنف ضمن الخيال العلمي، لكن بسبب احترافية الكتابة والتمثيل والموسيقى يتجسد بطريقة واقعية رائعة تبعد كل البعد عن أفلام هوليود التي طرحت فكرة السفر عبر الزمن بطريقة تطبيقية تقليدية، أحداث المسلسل متشابكة ومترابطة بشدة، بين هذه الأزمنة، وقد انتهى الموسم الثاني بكمية كبيرة من التساؤلات، خصوصًا عندما توفيت الفتاة التي يحبها يوناس وهو ابن ميشيل الذي انتحر، يوناس أول من اكتشف البوابات من سكان البلدة، وبدأ يتنقل بين الأزمنة ليحاول تغيير الأسباب التي أدت في نهايتها لانتحار والده.

عندما يغادر الشخص من عام 2019 إلى أحد الزمنين الماضيين عن قصد وإرادة، ويعيش فيهما، فإن أفعاله لا تخلق فرقًا في المستقبل؛ لأن أثرها قد حدث فعلًا، ولا أحد يستطيع تغيير الأحداث، لذلك يفشل يوناس في ردع والده عن الانتحار، هذا رأي نوح أحد شخصيات المسلسل المحورية.

عندما تموت الفتاة التي يحبها تظهر أخرى تشبهها تمامًا ليتفاجئ ويسألها يوناس من أي زمن أتيت؟ ولكنها تجيب: ليس السؤال من أي زمن أتيت، بل من أي عالم؟

ينتهي الموسم الثاني عند تلك الجملة ليفتح لنا باب التساؤلات الفيزيائية، هل سوف يتم دمج فكرة العوالم المتوازية التي تفرضها الفيزياء الكمومية في الموسم الثالث، والتي تقول باختصار إن عالمنا ما هو إلا نسخة عن عوالم أخرى، وجميعنا لنا نسخ فيها، لكن بأحداث وخيارات مختلفة؟ هذا ليس خيالًا، إنما أحد فرضيات فيزياء الكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد