«أقسم بالله العظيم أن أعمل بإخلاص لخير تونس، وأن أحترم دستورها وتشريعاتها، وأن أرعى مصالحها، وأن ألتزم بالولاء لها».

بهذا القسم، تولى أعضاء حكومة إلياس الفخفاخ مهامهم كثامن حكومة للبلاد من بعد الثورة يوم 28 فبراير (شباط) 2020.  جلسة استمرت لأكثر من 14 ساعة متواصلة وبحضور 207 نائب، ومسيرة مشاورات عسيرة تم خلالها استنفاد جميع المراحل الدستورية ولم تبق سوى فرضية حل مجلس النواب، نالت بعدها الحكومة المقترحة ثقة البرلمان بأغلبية 129 صوتًا.

أربعة أشهر من التفاوض والمشاورات انتهت فجر الخميس 27 فبراير 2020 بتحديد ملامح السلطة وبرنامجها للخمس سنوات القادمة، ومعها اتضحت الصورة بخصوص أقطاب المعارضة، وهي الصورة التي نسعى في هذا الجرد تبيانها.

قلب تونس˸ خارج عن القانون.. بقوة القانون

بالاستعانة بعلاقاته مع سياسيين فاعلين في أوروبا، خاصة مع رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو بيرلسكوني، وعلاقته مع أحد أهم وجوه الإعلام العالمي التونسي طارق بن عمار، استطاع نبيل القروي سنة 2007 تأسيس ثاني قناة خاصة في تونس.

بانطلاق بث قناته، بدأ اسمه يتردد ويعرف في الصحف كأبرز رجال الأعمال النافذين في تونس. بدأ التسويق من خلال قناته «نسمة» الخاصة لصورة نبيل القروي الرجل السياسي، من بعد فوز حركة النهضة بانتخابات المجلس التأسيسي، حين أطلق الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ومجموعة صغيرة من الشخصيات السياسية، مشروعا لإنشاء حزب سياسي هو «نداء تونس» لمجابهة حركة النهضة.

أصبح «نداء تونس» أول تشكيل سياسي في البلاد، بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 بأغلب المقاعد، بالإضافة لفوز مرشح الحزب الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية. ساهم القروي في هذا النجاح من خلال تنصيبه رئيس الحملة الانتخابية الذي جعل من قناته ذراعًا إعلاميًا خصصت كل برامجه التلفزيونية لدعم حملة الباجي في خرق واضح وفاضح للقانون الانتخابي، ثم عين في 2016 عضوًا في مجلسه التنفيذي، وأمام الأزمة الحادة بين نجل الرئيس ونبيل القروي جمدت عضوية الأخير في 2017.

في عام 2016 اتهمته المنظمة غير الحكومية الرقابية «أنا يقظ» بغسل الأموال والاختلاس في الخارج من خلال شركات الواجهة. نعت بالمافيوزي ورجل العصابات الخطير، وتم اتهامه بالشعبوية واستغلال حاجة الناس وفقرهم للمتاجرة بهم مقابل شراء أصواتهم للنجاح في الانتخابات الرئاسية التي أعلن عن نيته خوضها في يونيو (حزيران) 2019، والتحايل على الطبقة المهمشة باللجوء للمساعدات الغذائية لاستجلاء عطفهم، بالإضافة إلى ذلك فقد عَمَدَ لاستعمال الجمعيات الخيرية (جمعية «خليل تونس» التي أسسها إثر وفاة ابنه خليل بحادث سيارة) لأغراض انتخابية، والدعاية لنفسه عبر قناته «نسمة» وظهوره فيها بشكل متكرر للحديث عن إنجازاته، وتوجيه الرأي العام خدمة لأجنداته الانتخابية الرئاسية والتشريعية.

في 8 يوليو (تموز) 2019، وُجهت إليه تهمة غسل الأموال مع شقيقه غازي القروي، وتم تجميد ممتلكاته ومنع من مغادرة البلاد. قُبض عليه في 23 أغسطس (آب) 2019 بعد مذكرة توقيف صادرة عن شعبة الاتهام التابعة لمحكمة الاستئناف بتونس. إحدى الوثائق التي قدمت من قبل وزارة العدل الأمريكية أفادت بتعاقد القروي مع إحدى الشركات الصهيونية بغية تلميع اسمه في الخارج، وترتيب مقابلات له مع زعماء كبار في العالم على غرار الرئيس ترامب والرئيس بوتين لكسب تأييد واسع له من الخارج لضمان الفوز بالرئاسة.

في صباح يوم الأربعاء 9 أكتوبر 2019 ، قررت محكمة التعقيب الإفراج عن نبيل القروي من السجن فورًا، وذلك بعد قبول التعقيب الذي قدمه محاموه شكلا، وفي الأصل قضت بنقض القرار المطعون فيه دون إحالة وإبطال قرار الإيقاف التحفظي والإذن بالإفراج عن المعقب نبيل القروي من سجن إيقافه بالمرناقية، كان ذلك قبل إجراء الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التونسية 2019 بأربعة أيام فقط.

 استطاع القروي كسب أصوات فئة من الشعب التونسي، والتي مكنته من الوصول إلى قبة البرلمان بـ38 مقعدًا ليأتي في المرتبة الثانية. على عكس بقية الأحزاب الممثلة في مجلس النواب، فقد قرر إلياس الفخفاخ من البداية القطع مع حزب «قلب تونس» وإقصاءه من المشاورات؛ مما خلق أزمة مع حركة النهضة التي وضعت مشاركة حزب «شعار الأسد» في الحكومة شرط مشاركتها فيها. حركة النهضة ذاتها التي أعلنت في مشاورات تشكيل حكومة الحبيب الجملي رفضها التام المشاركة في حكومة رفقة حزب قلب تونس.

الدستوري الحر˸ محاولة لإعادة أمجاد الماضي

من المحزن اليوم، وفي الحديث عن ثنائية المعارضة والحكم بعد تسع سنوات من الثورة، أن نتحدث عن حزب المخلوع الراحل بن علي، حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل بحكم قرار محكمة البداية بتونس في 9 مارس (آذار) 2011، والقاضي نصًا بأن «محكمة البداية في تونس قررت حل التجمع الدستوري الديمقراطي وتصفية ممتلكاته وأمواله عن طريق وزارة المالية»، ومن المحزن أن نتحدث عن من كانت – وما زالت – بوقًا لنظام بن علي، إذ شغلت مناصب عدة صلب هياكل الحزب على غرار مساعدة رئيس بلدية أريانة وعضو المنتدى الوطني للمحامين إضافة إلى نيلها مسؤولية الكتابة العامة للجمعية التونسية لضحايا الإرهاب، عبير موسي.

عقب الثورة، جمد نشاطها في سلك المحاماة وغاب نجمها عن الساحة السياسة بعد حادثة الاعتداء على أحد المحامين الذين رفعوا قضية حل حزب التجمع باستعمال الغاز المشل للحركة داخل قاعة المحكمة. عادت للظهور سنة 2013 مع تأسيس «الحركة الدستورية» من قبل النائب الأول في حزب التجمع وثاني الترتيب البروتوكولي بعد رئيس الدولة (بن علي) حامد القروي سنة 2016. خلال مؤتمر الثبات في 13 أغسطس 2016 ، تمكنت وريثة التجمع المنحل من السيطرة التامة على الحركة وقامت باستبعاد كل «كوادرها» كما تعمدت تغيير اسمها إلى الحزب الدستوري الحر، تيمنا بالحزب الحر الدستوري الذي تفرعت منه العائلة الدستورية الحاكمة في تونس من بعد الاستقلال حتى الثورة.

يرتكز خطاب عبير موسي أساسًا على معاداة حركة النهضة الإسلامية وتحميلها كامل المسؤولية لما وصلت إليه الحالة العامة للبلاد من أزمة. تغتنم الفرصة كل مرة للدعوة لضرورة محاكمة حركة إخوان تونس وحتى نفيهم خارج البلاد. عرف خطابها أيضًا بالتهجم على كل ثورات الربيع العربي، وتعتبرها أصل الخراب الذي تشهده كل المنطقة العربية. كما تعتبر أن ما حدث ليلة 14 يناير (كانون الثاني) ليس إلا مؤامرة انقلابية دفعت بن علي إلى المغادرة.

 حقق الدستوري الحر نتائج جد ايجابية تمثلت في حصوله على المرتبة الخامسة بـ17 مقعدًا تمثل ما قُدّر بـ189 ألف و356 صوتًا، أي ما يعادل 6.60% من إجمالي الأصوات الناخبة.

الجبهة الشعبية˸ المعارض التقليدي خارج المشهد

منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 والتي أفرزت فوز حركة النهضة الإسلامية بالأغلبية غير المطلقة من الأصوات الناخبة، وبعد المصادقة على قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية (القانون الذي سمح بتسيير شؤون الدولة حتى صدور الدستور الجديد في 26 يناير 2014) تم تشكيل حكومة الترويكا (Troïka: ائتلاف حكومي مكون من حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات) وجدت الجبهة الشعبية نفسها في موقع المعارضة حتى سقوطها – بشقيْها – المدوي في الانتخابات الأخيرة.

في 7 أكتوبر 2012 تكونت الجبهة الشعبية كائتلاف سياسي مكون من عدة أحزاب وحركات يسارية شيوعية عروبية لها تاريخ نضالي كبير ضد نظاميْ الراحل الحبيب بورقيبة، ثم المخلوع بن علي. كان الهدف الأساس لهذا التحالف الحد من ثقل الاتجاه الإسلامي في المجلس التأسيسي خاصة بعد الهزيمة التي منيت بها القوى التقدمية اليسارية في انتخابات 2011، بالإضافة إلى توحيد الصف والبقاء تحت «راية» واحدة، إلا أن حلم الصف الواحد لم يكتمل، إذ تعرض سنة 2013 إلى ضربة موجعة تمثلت في اغتيال الشهيد الرفيق شكري بلعيد في 6 فبراير، ثم الشهيد الرفيق محمد البراهمي في 25 يوليو. مرحلة جديدة من الصراع فرضت على قيادات الجبهة بُعيد الاغتيالات، لتعيد الأخيرة حساباتها وتبني أساس تناقض جديد يضاف إلى سلسلة تناقضات عميقة بين طرفي المشهد السياسي في تونس.

منطق إما نحن أو هم النابع من كونهم القتلة ونحن الضحية خدم مصلحة الجبهة في انتخابات 2014، إذ حققت نجاحًا أهّلها لقيادة صفّ المعارضة داخل البرلمان وذلك بعد حصولها على 15 مقعدًا.

وأما عن دورها طوال المدة النيابية، فقد جعلت من نفسها رهينة مطلب واحد ملح في إقصاء الإسلاميين من الحكم، خاصة بعد تحالفهم مع حزب نداء تونس الفائز بالانتخابات الرئاسية. مما جعلها تخسر العديد من المتعاطفين معها إيديولوجيا ومع قضية اغتيال الشهيدين بلعيد والإبراهمي، الذين رأوا في معارضتها معارضة كاريكاتورية تغيب عن الشارع (يمكن للقارئ هنا أن يستحضر كثافة حضور مكونات الجبهة الشعبية سنتيْ 2011 و2012 كقوة احتجاجية أساسها الشارع) وتتلخص في كتلة برلمانية توجه سهام معارضتها إلى فصيل سياسي بعينه.

لم يساهم أداء الجبهة الشعبية في سقوطها المدوي في انتخابات 2019 فقط، بل ساهم أيضا الانقسام الكبير بين حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (الوطد) أحد أهم الشركاء فيها، والذي تمسك بترشيح الرفيق منجي الرحوي للانتخابات الرئاسية، فيما أصرت بقية مكونات الجبهة على ترشيح الناطق الرسمي باسمها الرفيق حمة الهمامي.

الانقسام الحاد لم يأت بنتائج في صالح أي من أطراف الانقسام، ففي الانتخابات التشريعية تحصلت الجبهة الشعبية المنشقة عن الجبهة الأم على مقعد واحد للنائب منجي الرحوي، والجبهة الأم تحصلت على صفر من المقاعد؛ مما يعني أن يسار الجبهة التي تكونت في 2012 والمعارض التقليدي قد خسر 14 مقعدًا ليكون بذلك غير معني بالمعارضة داخل البرلمان.

الختام

 تونس، بحاجة لمعارضة قادرة على صد موجة المد الليبرالي، كسياسة دولة، القائم على خصخصة أغلب المرافق العمومية كالتعليم والصحة، والتي تعمل على مزيد من انهيار الطبقة المتوسطة والتحامها بالطبقة الفقيرة، المكون الهش للمجتمع، كما تعمل على تقويض سيطرة رجال الأعمال على مفاصل الحياة الاقتصادية.

إن مشروع أخونة البلاد، المشروع الأخطر الذي يواجه تونس منذ اليوم الأول للثورة، يحتاج الآن، أكثر من أي مرحلة مضت، معارضة قوية بَنَّاءَة تعيق إرساء أسس الأرضية التشريعية والقانونية له.

غير أن المطلع على تفاصيل الحياة السياسية، يدرك أن مشهد المعارضة لا يمكن وصفه إلا بالكوميدي، مشهد لا يمكن معه أن تؤدي مهامها  على الأقل في الحد من استمرار مسلسل تغوّل السلطة الحاكمة. ليبقى السؤال المطروح في هذه اللحظة والمرحلة الصعبة: إلى متى سيستمر مسلسل العبث بمستقبل بلد بأكمله؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد