يبدو لنا هذه الأيام حراك وظهور لبعض الرموز التي باركت الاستبداد، وسعَت إلى مصادرة إرادة الأمة، من داعمي مشهد سقوط مصر عشية 3/7؛ فرأينا عصام حجي، وحمدين صباحي وغيرهما، وحديثًا عن البديل المتمثل في مجلس رئاسي في 2018.

والكثير من المراقبين قالوا إن هذا تلميع  للحالة الموجودة وترسيخ لمسيرتها. ولكن لو كان الأمر على سبيل الجد فلا بد من وضع عدة حقائق أمامنا لنفهم آخر حدود الفنجان!

أولًا:

إن النخبة في بلادنا هي بطبيعتها نخبة هشة وضعيفة، تتراجع سريعًا وتلتوي وتنحني لتلائم جميع الأوضاع، وهي ليست نخبة صلبة تتكسر على أقدامها موجاتُ الطغيان وتأمُل فيها الشعوب؛ فهذه النوعيات غير موجودة في تلك النخبة الصاخبة التي تملأ الأضواء، بل هي نخبة تليفزيونية تصلح «للاستدعاء» أمام الكاميرات أكثر من صلاحيتها لأمر جاد.

ومن أبسط الأمثلة القريبة أن عدة من الرموز التي كانت تكتب عن الفساد زمن مبارك وتفضح مجالاته، إذ بها تبارك مسيرة اندفاع هادرة للفساد في ثوبه الجديد!

وثانيًا:

إنها نخبة قابلة للبيع وشراء، بل ولأكثر من مرة، حتى أصبحت عملة متداولة يدار بيعها وتدويرها في مختلف الظروف والعصور، وبعضها اشتُري وبيع أكثر من مرة، وفي كل مرة يحاولون ارتداء سترة جديدة تجمّلهم. لكنها لا تفلح ولا تستُر.

وثالثًا:

على فرض الصدق في بعض أفرادها فهي نخبة جاهلة! إذ إنها اقتنعت للحظة من اللحظات أن العسكر سيأتون بالحرية! فوأدوا تجربة الثورة والحرية الماثلة أمامهم -بدلًا من الحفاظ عليها- لأمر متوهَّم لم يجدوه! في الوقت الذي حذّرهم فيه الكثير من خطأ الطريق، ومن أوهام ظنونهم وطالبوهم بالحفاظ على التجربة ودعمها وإصلاحها وترشيدها فأبوا في شرود.

وكوْنهم لم يعرفوا ما وراء 30 يونيو منذ البداية وتمت خديعتهم -لو صح هذا- إذن فهم ليسوا نخبة تسبق الأمة في الفهم وتتقدم الناس في الوعي؛ بل هي قابلة للخداع والوقوع في الفخ والشرَك؛ مما يعني أنها ليست نخبة واعية، بل هم مجموعة مخدوعة مثل غيرهم، وبالتالي يمكن أن يُخدعوا ثانيةً! والأجدى إذن أن يتراجعوا إلى الصفوف ليعاد وعيهم وتربيتهم الأخلاقية والسياسية.

ورابعًا:

إنها نخبة معادية للإسلام وترى في شريعته خطرًا، وفي الانتماء الإسلامي خيانة للأوطان! فمن البداية هي نخبة معادية لذاتها ولدينها ولتاريخها وهويتها بل ولأهلها، ويأخذون على عاتقهم إخراج أهلهم من الدين وانسلاخهم منه كهوية وشريعة! ومن ثم فهي نخبة معادية للأغلبية من الأمة التي رسخ فيها الإسلام في عمق فطرتهم.

وهي نخبة تدرك بحسّها موقف الغرب من الإسلام، فيتقربون إليه بتوافقهم مع ما يبغضه ويقدّمون إليه عداءهم للدين قربانًا للقبول، ليكونوا تحت الطلب!

وبالتالي كيف تنجح أي مشاريع تحرُّر أو تنمية لم تتوافق مع الهوية العامة للناس بل تعاديها؟

لقد خرجت هذه النخبة عن وظيفة القيادة الصحيحة والحالة الصائبة لأي نخبة في أي أمة؛ بأن تحترم أمتها وتحترم دينها وتاريخها؛ فخرجت عن هذه الحالة إلى وظيفة إخراج الناس وسلخهم من الإسلام واستعدائهم ضده، ووضع الإسلام في وضع مصادمة مع الوطن؟ فعندئذ لن تقام مؤسسات ولن يتم توجيه ثقافي أو تقنين متوافق مع الأمة، وستبقى عندئذ حالة التمزق بين الأنظمة والشعوب هي علامة المرحلة التي بدأت منذ عقود.. إلى حين.

وخامسًا:

إن أي مشاريع تنمية أو حراك تحرري لا بد أن يخاطب الناس بما تتجاوب معه فطرتهم، والتربة المصرية منذ الشيخ محمد عبده وهو يقول إنها تربة دينية، ولا يُصلح الشخصية المصرية إلا الخطاب الديني، ومن رام إصلاحها بطريق آخر فهو يبذر بذورًا في غير تربة.

ومن هنا لن تجد قيمًا حضارية ناجحة ومطبقة ومفعّلة في النظافة أو النظام أو الذوق أو الجمال، أو الإتقان أو التفاني، أو الطموح أو التحدي أو الانتماء. ولهذا تجد بعد الانقلاب قيمًا هابطة سادت وفوضى شاملة عمّت، بل ثمة استهداف للقيم الفاضلة؛ ووَجدت حثالة المجتمع؛ من  رموز الإباحية وغيرهم، أن هذه فرصة سانحة لنشر الرذائل واستقرار الفواحش ولتغيير قيمي عميق. فالقول إنه يمكن الإصلاح والنهضة والتحرر بهذه المعطيات والأدوات وبهذه المآخذ هو وهْم مضحك، أو نكتة سمجة.

وسادسًا:

إن النقطة الفارقة والحاسمة في هذا هي أن ما حدث من تردي منذ 30 يونيو كان بدعم قوة كبيرة وهي قوة العسكر، وبالتالي فلن يكون هناك تغيير حقيقي إلا بقوة مكافئة، والمرشح لهذا هي قوة الشعوب إن وعِيت وأرادت.

ومن المؤكد أن هذه الرموز لم تتحرك هكذا من تلقاء نفسها؛ بل لا بد من قوة ما قد دفعتهم إلى هذا:

فإما قوة الشعوب فقد أسلموا جزءًا منها للتضليل المتعمد والممنهج حتى تغنوا بـ«تسلم الأيادي» في غير محلها، والفريق الذي يمتلك وعيًا ويتمسك بإرادته وهويته أسلموه للتشويه والوصم بالإرهاب والاتفاق على تنحيته واستبعاده ومطارته بل وشيطنته. فلم تبق لهم قوة حقيقية يستندون إليها ويستطيعون بها تغيير المعادلة والوقوف المكافئ لموازين الأمور على الأرض.

فلم يبق إلا أنهم إما يعملون بتوجيه نفس القوى التي وقفت خلف 30 يونيو لاستبدال بعض الأشخاص مع الاحتفاظ بنفس مسيرة الانهيار، أو لحراك متوهَّم لا يخرج عن زوبعة في فنجانٍ ومشاهد إعلامية فحسب.

وإما أنهم يستندون لضوء أخضر من الخارج؛ وعندئذ فهو إعادة للمسرح بما يخدم إعادة إنتاج نفس الأنظمة الوظيفية لخدمة السيد الغربي والسيد الإسرائيلي بلون جديد، بعد استنفاد عطاء المشهد الراهن، ولكن يبدو هذا مستبعدًا الآن، إذ ما يزال السيد الأمريكي والإسرائيلي يأمل في مزيدٍ من الانهيار وتوريط البلاد.

فلندَع التهريج جانبًا ولنستعْلي على قبول الاستخفاف، ولندَع ذلك الوصف الذميم «سماعون للكذب» «يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم».

يجب أن نعلم أنهم ما بين ضعيف الإدراك برز في جانب علمي فظن أنه يفهم المشهد السياسي، وأن تفوقه في تخصصٍ ما يعني امتلاكه لرخصة بأن يقوم بما لا يحسن ليُخدع ثانية ويورط معه ملايين المساكين، وإما أناس لا ينقصهم الوعي ولكنهم شديدو الخبث يبحثون عن الأجرة ويبتزون بظهورهم قومًا، أو يخدمون قومًا. وكم من مشتوم أجّر شاتمه لينشر ذِكره أو يلمّع وجهه أو يرفع خسيسته!

فلنمسك بالطريق الواضح اللاحب: الإسلام والهوية والانتماء، إرادة ودور الشعوب، الوطنية الشريفة المنتمية، الحرية، احترام إرادة الأمة، واحترام طوائفها المختلفة، واحترام هويتها، قرار التنمية والخروج من التبعية والإملاءات.

أما أن ننسى بديهيات الطريق، ونلهث خلف سراب، أو نصدق فقاعات كاذبة؛ فإننا عندئذ ننسى ما لا يُنسى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد