أشمئز ثم يغلي رأسي وتنتابني حرقة في العينين، عندما ينعتني أحدهم بالمثقف، لطالما كان وقع هذه الكلمة سيئًا في ذهني، لطالما رأيت المثقفين أشخاصًا بعيدين كل البعد عن مجتمعاتهم وقضاياهم، وكأنهم لا ينتمون إلى الواقع، لطالما ارتبط اسم المثقف في بلادنا باعتناق الأفكار ذات المصطلحات السريالية، والتي ينطق بها ليمتدح ذاته بطريقة غير مباشرة، وأنه يعلم وأنتم لا تعلمون، المثقف كائن غير ناضج، ولم يدخل في نطاق المعرفة.

الطابع العام لشخصية المثقف العربي شخصية منفصلة عن الأصل، فالأصل في رواد المعرفة هو البحث عن الحقيقة، وليس البحث عن الاختلاف، يقول ديكارت «أنا أفكر إذن أنا موجود»، يقول المثقف: «أنا مختلف إذن أنا موجود»، ومن باب الملاحظة إذا قمت بمتابعة الأشخاص الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي سوف تجد بأن الذين يتكلمون لغة الناس هم الأكثر شهرة، وهم الأكثر تأثيرًا، أما بُياع الأيديولوجيات والمصطلحات المعقدة التي لا تجد وقعًا في ذهنية الناس فهم الأكثر نبذًا. يُولد الجهل ثقة أكثر مما تفعل المعرفة كما يقول داروين، والمثقفون واثقون من أنفسهم لأنهم جهلاء بواقعهم، بعيدون عن معرفة مجتمعاتهم، وكأنهم يملكون حقائق الأمور ومطلق الأشياء، كل ذلك يجعل منهم طبقة معزولة عن الآخرين.

أنا أعي أن المعرفة دائمًا ما تعطي شيئًا ما لصاحبها، شيء لا أستطيع وصفه، ولكني أستطيع ضرب مثال عليه، من غير الممكن أن تقرأ رواية ما من دون أن تترك فيك أثرًا، حتى الانطباع السيئ عنها هو شيء، لقد علمت بأن هذه الرواية رديئة وأفكارها سطحية، وأيضًا قد تقرأ بين سطورها ما تفكر فيه وتشعر به، لكنك لا تستطيع وصفه، فتفهم ذاتك أكثر، أو أمرًا يحدث في حيّك أو مدينتك، أستطيع القول بأن وعيك يتمدد حين تفهم أمرًا جديدًا، الفاهمون لما يجري من حولهم والعارفون الحقيقيون هم من أبسط الناس، وأكثرهم راحة في الحديث مع الآخرين، يقول ابن عربي: «تتلون الحقيقة بوعي العارف، كما يتلون الماء بلون الزجاج»، لذلك المعرفة التي تتلقاها وتفهمها تصبح جزءًا منك ومن شخصيتك، وأسلوب حياتك، وطريقة كلامك، لا خلاف على أن المعرفة تولد بداخلك شعورًا بالاختلاف الداخلي أو الغربة الاجتماعية، ولكن هذا شيء خاص بك، ولا حاجة لوضعه خارجًا عنك.

القراءة ليست ترفًا فكريًّا ولا كتابًا ترتله مع احتسائك كوب قهوة، القراءة جهد عظيم، ونضال في عالم الأفكار، ومسؤولية كبيرة حينما تقف أمام نفسك وقناعاتك واعتقاداتك وتغسلها بالقراءة بلا تعصب، يقول العالم ابن الهيثم: «الواجب على الفرد، إن كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما يقرأ»، لتكن الفكرة خصمك وليس كاتبها، ولتكن الكلمة خصمك وليس الناس، وليكن العقل دليلك وليس مصباح جدك.

أما في الحديث عن التأمل والمعرفة لغرض المعرفة، فإن عالم الاجتماع أوغست كونت لفت نظرنا إلى موضوع طالما شغل الفلاسفة، وهو أن الاختلاف في ميدان الفكر إنما يقوم في المجالات التي يبتعد فيها الإنسان بتفكيره عن الواقع، إذ يتناول بالبحث والمناقشة أمورًا لا سبيل إلى معرفتها والكشف عن كنهها، كالبحث في جواهر الأشياء، وأسبابها، وغاياتها القصوى، أما حين ينصرف الفكر البشري عن هذه المواضيع، ويقصر اهتمامه على ملاحظة الظواهر، والتركيز على العلاقات التي تربط بينها، فإنه يتوصل إلى القوانين التي تتحكم في الظواهر والوقائع وتجمعها وتجعلها في متناول الإنسان، فيستفيد منها علمًا، وفكرًا، وعملًا، وفي الحقائق الواقعية يحصل الاتفاق ويزول الاختلاف؛ لأن الواقع لا يجامل أحدًا، أي إننا كي ننتقل من واقع سيئ إلى واقع أقل سوءًا يجب أن ننطلق من الواقع نفسه من مشكلاته وقضاياه، وألا نأتي بحلول خارجية جاهزة كثقافة النسخ واللصق، وهذا لا نستطيع الوصول إليه بغير المعرفة العملية، التي يعد العقل نواتها، لذلك من غير الممكن أن تكون غاية المعرفة هي المعرفة فقط، غاية المعرفة هي الفهم، ثم التغيير.

لكن مأساتنا أن معظم مثقفينا منقسمون بين الشخصية اليسارية، التي تغترف من الغرب، وتنادي بمصطلحاته وقوانينه ونظمه، والشخصية اليمينية، التي تغترف من الماضي، وتنادي بمصطلحاته وقوانينه ونمط حياته، ورغم التجارب الكثيرة لتكتلات الشخصيتين السابقتين، فإن التغيير نحو الأفضل لم يحصل، على العكس، نحن نعيش في مستويات متأخرة من الانحدار على المقاييس كافة، والسؤال دائمًا مطروح، من يتحمل مسؤولية هذا النفق المظلم الذي دخله الشرق لأول مرة في تاريخه، من المسؤول عن كل هذه العتمة؟

الخطابة من أحد ميزات اللغة العربية، فكل من يتقن قواعدها ونحوها وإملاءها ظنناه عارفًا وفاهمًا، ومن هنا تسطح المعرفة، من خلال جعلها خطابًا دينيًّا ينادي بالمعجزات العلمية، وخطابًا سياسيًّا يلتف على حاجات الناس، وخطابًا إعلاميًّا يبدأ مع بداية النشرة الإخبارية، بمقطع عربي فصيح وكأننا في سوق عكاظ، لا نريد ببغاوات تردد كلام الغرب أو السلف، ولا ندعو لسجع يطربنا ولا يغنينا من جوع، طالما كانت الجماعات بحاجة لأشخاص متنورين يقودونها نحو الأفضل، هذه سنة الحياة التي لم تعد تجري علينا، يقول غسان كنفاني: «لا عُذر لمن أدرك الفكرة ثم تخلى عنها»، لذلك المسؤولية تلاحق كل من تسبب في مشكلة ما، أو عرف حلًّا لها دونما أن يعترف أو يُصلح.

في ظل كل ما يعانيه الشرق من قضايا ومشاكل يعرفها معظمنا، يحمل الشباب مسؤولية تاريخية في البحث عن حلول، والحلول لا تأتي من خارج العقل، وغذاء العقل هو المعرفة، نحن مطالبون بالابتعاد عن طبقات السياسيين، والتجار، والصناعيين، والمثقفين، والتطبيل والتزمير لهم، أولئك الذين خلقوا لأنفسهم شوارع وبيوتًا خاصة بهم، لقد بنوا دولًا لهم داخل بلادنا، وخلقوا معظم مشاكلنا؛ ولأن العقل الذي أوجد المشكلة لا يستطيع إيجاد الحل، ولأن الشرق أرضنا وسماؤنا، نحن الشباب نحمل هذه المسؤولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد