راهنت الدولة التونسية الحديثة على مجال التعليم برفع شعار «مجاني اجباري موحد» للقضاء على حالة الأمية والتخلف الاقتصادي والاجتماعي الثقافي، التي زادها الاحتلال الفرنسي تخلفًا وأمية. استطاعت تونس في السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال تأمين تكوين تعليمي جيد، مكن من تعبيد الطريق أمام طبقة كبرى من المجتمع للخروج من دائرة الفقر، كما مكن من خلق جيل أكاديمي مثقف ساهم في تطوير وبناء القطاع العمومي ومنه الدولة التونسية.

 إلا أن هذا الواقع الوردي لم يستمر طويلًا، إذ عرف قطاع التعليم، خاصة في آواخر التسعينيات، مع نظام الرئيس المخلوع الراحل زين العابدين بن علي، تراجعًا وتدهورًا مَثّل القطرة التي أفاضت الكأس، وكانت حجر أساس اندلاع ثورة «14 جانفي» يناير (كانون الثاني) 2011م، إذ ساهمت انعكاسات سياسة بن علي التعليمية – التي أنتجت آلاف العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات التونسية – في انفجار حالة غضب شعبي أدت إلى إطاحة نظامه.

إحصائيات وأرقام

في صباح السابع عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي، اليوم الأول من السنة الدراسية الجديدة، جدد مليونان و174 ألف تلميذ تونسي العهد مع مقاعد الدراسة بـ6104 مؤسسة تعليمية.

بلغ عدد تلاميذ المستوى التحضيري 63 ألف تلميذ، سيجري – ولأول مرة – اعتماد برنامج بيداغوجي (يعتمد على علم التربية) موحد لفائدتهم. أما المستوى الابتدائي فقد بلغ عدد المسجلين فيه مليونًا و177 ألفًا، وبنحو 933 ألف تلميذ قدر عدد تلاميذ المعاهد الثانوية، أي بزيادة نسبتها 6% مقارنة بالسنة الماضية.

في حين باشر 155400 معلم ومعلمة عملهم في السادس عشر من الشهر ذاته، 76600 منهم تم توزيعهم ما بين المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية مقابل 78800 مرب للمدارس الابتدائية.

خلال ندوة صحفية عقدها الوزير حاتم بن سالم في الحادي عشر من سبتمبر 2019، والتي خُصصت لتقديم آخر مستجدات العودة المدرسية، أفادت الوزارة أنها قررت انتداب 2574 متحصلًا على الإجازة التطبيقية في علوم التربية والتعليم بداية هذه السنة، وتعيين 2356 من طلبة الماجستير المهني في علوم التربية، و2645 معلمًا في إطار انتداب الدفعة الثانية من المعلمين النواب.

رغم كل هذه الانتدابات، فإن الموارد البشرية، صلب وزارة التربية، ما زالت تشكو نقصًا فادحًا بـ11 ألف مدرس في المرحلة الابتدائية فقط، بالإضافة إلى نقص بـ1000 عامل في الحراسة والتنظيف.

أزمة تعليم شاملة

للملاحظ أن يرى أن أزمة التعليم في تونس بدأت تطفو على السطح في أواخر التسعينيات، حين بدأت الدولة تلغي الرعاية الخاصة لبعض القطاعات كالصحة والتعليم، وتحد من دورها الإصلاحي المباشر لهذه القطاعات.

انسحاب تدريجي فرضته السياسية النيوليبرالية النوفمبرية (نسبة إلى 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987م، سنة وصول بن علي إلى سدة الحكم) التي بدأت بالتحاق تونس بمنظمة التجارة العالمية، ثم توقيع اتفاق تبادل حر مع الاتحاد الأوروبي، جعلا منها رهينة تنفيذ إملاءات صندوق النقد الدولي.

إن من مفارقات الواقع المبكي المضحك للتعليم في تونس أن وزير التربية والتعليم السابق، الأستاذ الجامعي ناجي جلول، ما فتئ يشيد في كل المنابر الإعلامية بدوره في إرساء أسس مشروع «المدرسة الرقمية» بكلفة ناهزت 400 مليون دينار، والذي يهدف إلى «إفسحا المجال أمام التلميذ والمربي على حد سواء للإبداع والخلق، باعتماد التكنولوجيا الحديثة لتصبح المحامل الرقمية من لوحات وحواسيب وشاشات عرض رافدًا إضافيًّا مكملًا للمدرسة العادية»، في الوقت الذي تشكو منه العديد من مؤسسات التعليم من الاكتظاظ؛ إذ وصل عدد التلاميذ في القسم الواحد (الصف الواحد) أكثر من أربعين تلميذًا!

جاء هذا المشروع في الوقت الذي اعتمدت فيه بعض المدارس، وخاصة الريفية منها نظام دمج مستويين مختلفين في حصة واحدة، كأن يُجمع تلاميذ السنة الثالثة والرابعة من التعليم الابتدائي في الحصة ذاتها ولدى المعلم ذاته، وذلك للنقص الفادح في عدد المعلمين – على الرغم من أن هناك آلاف بل عشرات الآلاف من خريجي الجامعات والمعاهد العليا يبحثون عن فرص للعمل.

هذا دون الحديث عن المصاعب التي يعاني منها أبناء المناطق الريفية، والداخل التونسي في التنقل للوصول إلى مدارسهم في ظل غياب وسائل النقل، ما زال هنا – في تونس2020م – تلاميذ يضطرون إلى المشي عدة كيلومترات ذهابًا وإيابًا في قحط الصيف، وبرد الشتاء دون أي حماية تذكر؛ أما مَن حالفهم الحظ، فقد يُدفعون إلى ترك عائلاتهم في سن صغيرة من أجل الالتحاق بالمدارس الإعدادية، والمعاهد الثانوية الداخلية، والإقامة في مبيتاتها.

 لا يمكن الحديث عن أزمة واقع التعليم في تونس دون العودة إلى مشاهد، قد ترافق التلميذ من سنته الأولى، وحتى نيله شهادة البكالوريا، مشاهد مكررة في جل مدارس البلاد، مثل قاعات درس دون أبواب ونوافذ، مدارس دون دورات مياه صحية وصالحة للاستعمال البشري، أسقف تقطر مطرًا ثم تنهار فوق الرؤوس الصغيرة، وبقايا الطاولات.

أما المدن والحاضرات التي تضمن بنيتها التحتية الحد الأدنى من التعليم الصحي؛ أصبحت هي الأخرى تعيش أوضاعًا صعبة نتيجة القرارات المتخذة، والمتعلقة بخفض الميزانيات المخصصة للصيانة وإعادة التهيئة.

لا تقتصر أزمة التعليم في تونس على الجانب المادي فقط؛ إذ إن كل ما سبق ذكره يتمحور أساسًا حول الميزانيات المرصودة للمدارس من قِبل وزارة التربية.

إن ما يدعو إلى إطلاق صيحة فزعٍ حقيقيَّةٍ، هو غياب رؤية واضحة واستراتيجية عملٍ منظمةٍ لحاضرِ ومستقبل التعليم. جميع الأطراف (الأساتذة، المعلمون، التلاميذ، الأولياء، الباحثون) تعترف وتقرُّ بأن المنهج الدراسي التونسي الحالي؛ سواء على مستوى المحتوى، أو البيداغوجيا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى إعادة النظر، والمراجعة لما يتضمنه من خللٍ واضحٍ، أدَّى إلى تدهورٍ، وتراجع مستوى التلميذ التونسي في سلم الترتيب العالمي.

تواتر الاحتجاجات والإضرابات (نفذت نقابة التعليم الثانوي سنة 2017م، أطول إضراب للأساتذة في تاريخ تونس)، حقيبة مدرسية تقسم الظهر للكثرة غير المبررة للكتب المدرسية والأدوات المدرسية، وطول ساعات الدراسة (من الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً)، وعُطل مدرسية لا تتوافق مع البرامج التعليمية المدرجة من قِبل الوزارة، وارتفاع نسبة الأمية لارتفاع نسب الانقطاع المبكر عن الدراسة (أكثر من مائة ألف تلميذٍ ينقطعون عن الدراسة في مختلف مستوياتها سنويًّا)، وارتفاع نسب ترويج المواد المخدرة، واستهلاكها داخل الوسط المدرسي، وتفاقم ظاهرة العنف. أزمة شاملة استمرت لسنوات، ولا يبدو أن الوزارة تتعامل بجدية، ومسؤولية لإيجاد حلول، ومشاريع، وبرامج تنفذ على المدى القريب، والمتوسط والبعيد، تساهم في إنقاذ منظومة التعليم، والعودة بها إلى مربع الاعتراف الدولي.

مَن المستفيد مِن الأزمة؟

 للتعليم الخاص في تونس تاريخ يمتد إلى ما قبل الاستقلال؛ حين كان يتمثل في شكل مدارس فرنسية، يشرف عليها «الآباء البيض»؛ الذين عُرفوا في الوسط العام الشعبي بتسمية «الباباصات»، هناك مدارس أخرى امتد تواجدها في تونس لأكثر من 130 سنةً، غير أن تجربتي مدرسة تونس الدولية التي تأسست في 1999م، ثم في سنة 2007م، مدرسة قرطاج الدولية؛ تعتبران أهم العناوين العريضة التي عرفها الاستثمار في هذا القطاع.

فتحت الدولة التونسية باب الاستثمار في قطاع التعليم الخاص في يونيو (حزيران) 1992م، من خلال سن قانون يتيح إنشاء مؤسسات تعليمية خاصة، إلا أن نسق نمو هذا الاستثمار لم يكن على قدر أحلام منتهجي الخيار الليبرالي، إذ كان التعليم العمومي ينال رضا جل التونسيين.

بمرور الوقت أصبح التعليم الخاص شرًّا لا بد منه بالنسبة إلى أولياء أمور الطلبة والتلاميذ، الذين هربوا من أزمة التعليم في القطاع العام إلى الخاص، قطاع عمد «تجاره» إلى تكثيف مجهوداتهم للاستثمار فيه، خاصة مع توجه سياسة الدولة إلى خصخصة كل القطاعات العمومية، بما في ذلك قطاع التعليم.

في سنة 2000 بلغ عدد المدارس الابتدائية الخاصة 40 مدرسة، لم يتجاوز عدد المسجلين فيها 10 آلاف تلميذ. اليوم، عدت وزارة التربية المدارس الابتدائية الخاصة بنحو 200 مؤسسة لـ50 ألف تلميذ.

ازدهار التعليم الخاص لم يتوقف عند المستوى الأول فقط، بل عرف المستوى المتوسط (إعدادي وثانوي) نسبة تطور جديرة بالتحليل والدراسة، فقد وصل عدد المعاهد الثانوية والمدارس الإعدادية إلى 300 من جملة 1700 مؤسسة، أي بنسبة الخمس، تضم 80 ألف طالب من إجمالي 800 ألف طالب.

للتعليم العالي كذلك نصيب من حمى الاستثمار في قطاع التعليم الخاص، فقد شهد تطورًا بعشر مرات ما بين سنتي 2000 و2018م ليصل إلى 66 مؤسسة، تُقدم الدروس فيها لأكثر من 35 ألف طالب في كل الاختصاصات.

لئن اختلفت زوايا النظر التي تناولت ظاهرة ازدهار التعليم الخاص بالتحليل والدراسة في بلد يشكو اضمحلال الطبقة المتوسطة، والتي تمثل العمود الفقري للمجتمع والتحامها بالطبقة الفقيرة، مقابل صعود «برجوازيات جديدة» عمدت إلى إظهار تفوقها الطبقي من خلال خلق «الدولة البديلة» الخاصة بهم، في بلد لا يتجاوز فيه مستوى الدخل الفردي اليومي سقف أربعة دولارات، فإن المزايا التي يقدمها التعليم الخاص مقارنة بالتعليم العمومي تظل أبرز النقاط المشتركة بينهما، ففي المدارس الخاصة مثلًا لا يمكن أن يتعدى معدل عدد التلاميذ في القسم الواحد 20 تلميذًا (مقابل 40 في المدارس العمومية) ما يعطي ظروفًا أكثر ملائمة للتدريس والفهم، توفر المدارس الخاصة فضاءات ومساحة وقت لممارسة الأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية، الأمر الذي يعد معدومًا في المدارس الحكومية.

فرضية الرسوب مستحيلة في هذه المدارس، وهو ما يدفع بالأولياء إلى إلحاق أبنائهم بنظام تعليمي، لا يمكن بأي حال أن يخسر الطالب فيه سنته الدراسية. وأيضًا، توفر المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة تكوينًا بيداغوجيًّا يعتمد أساسًا برامج أجنبية تفتح آفاقًا تشغيلية حقيقية في المستقبل للعلاقة التي تربطهم مع عدة شركات ومؤسسات عالمية.

في قراءة ليست  بالاستشرافية المكررة، هذه السنة الدراسية (2019/ 2020) لن تكون أفضل حالًا من سابقاتها، مرض البوصفير سيسجل حضوره إلى جانب الطلاب، ونحن في فصل الشتاء، الأسقف أيضًا ستنهار مرة أخرى، وليست أخيرة.

حقيقة، إن واقع التعليم في تونس لا يدعو إلى التفاؤل، هي عين شمس واضحة ولا يمكن أن تحجبها إجراءات ذر الرماد على العيون المتعبة من قبل ست وزراء تداولوا الإشراف على وزارة التربية منذ الثورة.

مرة أخرى، القطاع العمومي سيشهد نكبة جديدة مقابل إنعاش مسرف للقطاع الخاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد