قبل فترة وجيزة تم تداول فيديو لأحد الدعاة وهو يتحدث عن «تلبس الجن بالإنس»! ولعل هذا الموضوع يشغل بال نسبة كبيرة من الناس ويقض مضاجعهم، ومما يدل على ذلك انتعاش سوق الدجل والخرافة في وطننا العربي. وكما أشار الداعية فإن نسبة من الفاشلين قد اتخذوا من التلبس وغيره من الأعمال شماعة يعلقون عليها فشلهم.

ولأن التلبس موضوع غيبي فإن طرحه يذكر بأمور غيبية أخرى مقاربة لموضوعه، لذلك فقد تناول الداعية موضوعات العين والرؤى والمنامات في نفس الفيديو موضوع المقال. وقد أنكر الداعية التلبس وتكلم في الموضوعات الأخرى المذكورة آنفًا. ولعل الداعية أحب لأبناء أمته التحرر من الجهل ونبذ الخرافة والانشغال بالعمل البناء، ومن المعلوم أننا نتفق مع الداعية في سلامة هذا الهدف بل ونؤكد على ضرورته.

غير أن الداعية قد استخدم محاججة تموج بالمغالطات الشرعية والمنطقية ولا تتجاوز كونها توظيفًا مبتذلًا لنصوص القرآن والسنة. فهو مع الأسف يقتطع النصوص من سياقاتها ويربط ربطًا تلفيقيًا بينها وبين الفكرة التي يريد!

وفيما يلي مناقشة للآيات التي استدل بها الداعية واحدة تلو الأخرى، وهي مناقشة تهدف للكشف عن نقاط الضعف في محاججته:

بدأ الداعية محاججته بقول الله تعالى: «إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون»، وقد استدل الداعية بهذه الآية على أن الجن لا سلطان لهم على الإنس! وهو استدلال في غير محله، فالآية تقرر أن الإيمان الحق والتوكل الحق يحرران العبد من تسلط وساوس الشيطان عليه، ولكنها لا تعطي حكمًا قاطعًا باقتصار نشاط الجن على الوسوسة.

ثم أخذ الداعية قول الله تعالى على لسان إبليس «وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي»، واستدل به على أن نشاط الجن مقتصر على الوسوسة دون التلبس! ولو تأملنا الآية قليلًا لوجدنا أنها تتناول حوار إبليس في جهنم مع الذين استسلموا لسلطان وسوسته، وإبليس في هذه الآية، وفي هذا المشهد الحواري حصرًا، يرد على الذين استسلموا لوساوسه، ومن الطبيعي بناء على ذلك أن يعلن براءته من كل سلطان إلا سلطان الوسوسة. لكن ذلك لا يقتضي بالضرورة عدم وجود مشهد آخر قد نرى فيه إبليس يجادل عبدًا كان له عليه سلطان أعلى درجة من الوسوسة، كسلطان التلبس مثلًا! وقد يكون الذي تلبسه الجن مرفوعًا عنه القلم، وعندها لن يكون هذا المشهد موجودًا أصلًا! لكن ذلك لا يقتضي انتفاء التلبس، فثمة نصوص أخرى يمكنها الحكم بذلك وينبغي على الداعية إعادة البحث فيها ومناقشتها بطريقة علمية بدلًا من اللجوء إلى هذه الحركات البهلوانية!

من الملحوظ أيضًا أن الداعية قد خلط بين عموم الجن وبين فرد من أفرادهم وهو إبليس، وهذا الخلط يخدم محاججته. وقد تمت المناقشة في الفقرتين السابقتين مع التجاوز عن هذا الخلط بغية الإمعان في نقد منطقه المتهالك. يمكن الاستغناء عن النقطة السابقة والقول إن إبليس فرد من أفراد الجن وهو فرد مختص بسلطان الوسوسة ولغيره من الأفراد سلطان من نوع آخر كالتلبس مثلًا!

بعد ذلك أخذ الداعية قول الله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا»، واستدل بها على نفي التلبس من باب أن كيد الشيطان ضعيف، وبالتالي فهو لا يرقى إلى التلبس! والحقيقة أن هذه الآية لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بمسائل التلبس، فهي آية قد وردت في سياق شد عزائم المؤمنين في قتال الكفار. ففي قتال الكفار يكون المؤمن شجاعًا لأنه يؤمن بأن الله أكبر وأعلى من كيد الشيطان وحزبه من أعداء الدين. ومن الملحوظ أيضًا أن الداعية قد خلط ثانية بين عموم الجن وبين فرد من أفرادهم وهو إبليس، وقد تمت المناقشة أيضًا مع التجاوز عن هذا الخلط إمعانًا في تبيان نقاط الضعف في منطقه.

أخذ الداعية بعد ذلك قول الله تعالى: «وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ»، ولأن الآية قد وردت في وصف مكر الإنس فقد استدل بها الداعية على أن الإنس أقوى من الجن! وبالتالي فلا يمكن للجني أن يتلبس بالإنسي! ولكن، ما يدرينا لعل هناك مكرًا أقوى من المكر الذي وصفه الله بأنه يوشك أن يزيل الجبال، فلعل هناك مكرًا يوشك أن يزيل الجبال ويجفف البحار، ولعل الله قد أجرى هذا المكر على يد الجن، وبناء على ذلك فيمكن لمن كان مكره يزيل الجبال ويجفف البحار أن يتلبس بمن كان مكره يزيل الجبال فقط.

وقد تجاوزت المناقشة في الفقرة السابقة عن السياق الذي وردت فيه الآية، وذلك من باب الإمعان في نقض المحاججة التي ساقها الداعية. وبالرجوع إلى سياق الآية، فقد وردت في وصف مكر قريش بالمصطفى عليه الصلاة والسلام ولم ترد في سياق المقارنة بين قوة الإنس وقوة الجن. كما أن القوة مفهوم نسبي يتجزأ، فهناك قوة بدنية وأخرى عقلية وهناك قوة في سرعة الحركة والقدرة على اختراق الجدر، ومن المعلوم أن الله تعالى قد ميز الجن على الإنس وجعلهم أقوى في هذه الأخيرة. وقد ورد ذلك في سورة النمل «أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك».

بعد ذلك أخذ الداعية قول الحبيب المصطفى: «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل»، ثم علق بقوله: ولم يقل الحبيب المصطفى «والذي تلبس به جني حتى يخرج منه الجني»! ولعل استدلالًا كهذا لم يراع أن كثيرًا من الأحاديث النبوية قد تتناول الحالات العامة وتترك الاستثناءات القليلة، فالصبا والنوم والجنون حالات مألوفة لنا جميعًا، بينما التلبس ليس حالة عامة مألوفة، وبناء على منطق الداعية يمكننا القول إن المكره لم يرفع عنه القلم لأنه لم يرد في الحديث! ثمة منطق أعوج منغلق على النص لجأ إليه الداعية للمحاججة، ونسي أن هناك مصدرًا من مصادر التشريع اسمه القياس! ومن الملحوظ أن هذا المنطق المنغلق قد تفشى بين الدعاة، فكل منهم يقول لقد قال الله كذا ولم يقل كذا وكذا، وبذلك نستدل على بطلان كذا الثانية!

أما بالنسبة للعين، فقد قال الداعية إنها حق وإن الإيمان بها واجب، إلا أنه أفتى بأن تفسير المشاكل التي تواجهنا على أنها عين هو تفسير غير جائز على الإطلاق! وهو يفتي بذلك من باب أن التعاطي مع مشكلاتنا يجب أن يتخذ طابع التعرف على أسبابها الحقيقية ومواجهتها بالحلول الواقعية مع تنحية الغيبيات جانبًا! ولكن ما المانع لو تعرفنا على الأسباب الحقيقية وواجهناها وجمعنا إلى ذلك كله تلاوات لآيات الرقية، بما في ذلك سورة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات؟! ألا نكون بذلك قد أخذنا بالأسباب وتوكلنا على الله، بدلًا من الاكتفاء بالركون إلى الأسباب؟! أليس هذا أفضل وأقرب إلى ربنا؟!

أما بالنسبة للأحلام والرؤيا، فقد سبق الداعية كثيرون ممن تكلموا في الموضوع، وهؤلاء قد قسموا ما يراه النائم إلى رؤيا من الله وحلم من الشيطان وحديث نفس مصدره العقل الباطن والمخاوف والهواجس. وقد وردت رؤيا الأنبياء في القرآن الكريم بتعبيرين أحدهما «إني رأيت» والثاني «إني أرى»، فالأول قد ورد في رؤيا سيدنا يوسف، والثاني قد ورد في رؤيا سيدنا إبراهيم، فلماذا حدد الداعية أن رؤيا الأنبياء ترد دائمًا بتعبير «إني رأيت»؟! السبب في ذلك أنه أراد أن يفصل بين رؤيا الأنبياء ورؤيا غيرهم من البشر، ولم يجد طريقة للفصل إلا ربط الأمر بوقوع الرؤيا مرة واحدة في حالة رؤيا الأنبياء أو وقوعها عدة مرات في حالة رؤيا باقي البشر، فالتعبير «إني رأيت» يشير إلى وقوع الرؤيا مرة واحدة بينما يشير التعبير «إني أرى» إلى وقوعها عدة مرات، ثم أتم الداعية استدلاله بالاستئناس برؤيا عزيز مصر الذي قال «إني أرى سبع بقرات سمان»! هكذا تجاهل الداعية أن رؤيا أبي الأنبياء قد وردت بتعبير «إني أرى» ليخدم محاججته وتصنيفه للرؤى! أضف إلى ذلك أن الآية التي تسرد رؤيا عزيز مصر لا تعطي حكمًا قاطعًا بضرورة التكرار بالنسبة لغير الأنبياء كما استنتج الداعية.

خلاصة القول، لم يقف كاتب هذه السطور على صحة أو عدم صحة موضوع التلبس! ولا يهتم كاتب هذه السطور بالوقوف على هذا الموضوع! وذلك لأن أمور الدين تعطى وزنًا بمقدار ما ورد فيها من آيات. وما بين دفتي المصحف لم يتمحور حول موضوع التلبس، ولذلك لا يهتم كاتب السطور بهذا الموضوع. ولعل تعميم هذه النظرة بين الناس هو الطريق الأمثل للتعاطي مع الخرافات الرائجة بينهم، أما الاستدلال التوظيفي اللامنطقي لنصوص القرآن والسنة فهو معول يهدم الشرع والمنطق معًا. ولئن كان الداعية يدرك ما في منطقه من ضعف ويستثمر عجز الجمهور عن كشف ذلك الضعف فتلك مصيبة، وإن لم يكن يدرك فالمصيبة أعظم!

ملاحظة: يهدف المقال إلى الكشف عن الضعف المنطقي السائد في خطاب الدعاة ولا يهدف للدفاع عن صحة تلبس الجن بالإنس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد