إن نتيجة البحث عبر محرك البحث جوجل هي 8 آلاف موقع حول «القصة» المفتاح، ومفادها «دخل الجنود قرية واغتصبوا كل نسائها إلا واحدة من النساء قاومت الجندي وقتلته وقطعت رأسه». تناقلت هذه القصة عبر مواقع الإعلام والتواصل الاجتماعي وعن كتّاب معروفين، وصحف معروفة، منها صحيفة «الحياة» في أغسطس (آب) 2018، وفي الكويتية 2017، وعلى لسان سياسيين معروفين في لبنان كـإيلي محفوظ (سياسي لبناني)، وأخيرًا ضمن سياق منشور سياسي لحزب لبنانيّ حاكم، أي التيار الوطني الحرّ، إن دل على شيء فهو «ذكورية الخطاب السياسي في العالم العربي».

على الرغم من أن ردًّا صدر عن الحزب اللبناني يؤكد فيه أنه لم يقصد الإساءة للمرأة أو كرامتها، لكنه أراد أن يقيم تشبيهًا رمزيًّا بين قصة في رمزيتها، والحملة ضده، وبعد جدل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي اعتبرت الزميلة ديما صادق أن اللجنة المركزية للإعلام في التيار الوطني الحر بهذا الإعلان إنما «تتخطون نفسكم كل مرة بجهلكم المدقع وذكوريتكم المقززة… إلى الذين كتبوا هذا المنشور: المغتصبة ليست عارًا على أحد، العار هو طريقة تفكيركم!». أما الزميلة إيناس شرّي التي كانت تعمل سابقًا في صحيفة «الحياة»، التي أوردت هذه القصة تقول: «عنجد قصة معبرة وكتير بتعبر كيف بيفهموا الاغتصاب ومنذكر انه كلودين عون هي رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون ​المرأة​ اللبنانية على حد علمي. #الاغتصاب_جريمة وعار على لبيغتصب مش على المغتصَب أو المغتصَبة».

تفاعلت جهات حقوقية مناصرة لحقوق المرأة مع تبني حزب لبناني جماهيري عريق – باعتبار رئيس جمهورية لبنان كان زعيمه وحصة الأسد له- هذه القصة «الرمز» الذي يشهد لها ذكوريتها، منها جمعية «أبعاد» قائلة «مجددًا، تُستباح قضايا وأجساد النساء والفتيات، وتُستغل في المعارك السياسية، والعسكرية، والاقتصادية! لو يدرك من أبدع في صياغة هذا الإعلان هول وقع الاغتصاب على النساء، وأكلافها النفسية، والصحية، والجسدية عليهنّ، لفكّر مرتين قبل التسبّب بإيلامهنّ واغتصابهنّ وقتلهنّ مجددًا بكلماته الترويجية هذه… عدا عن إسهامه بتعزيز ثقافة الصمت عن العنف والتستّر عليه؛ خوفًا من القتل! ثقافة تُناضل الحركة النسائية سنوات طوال لتغييرها وحث النساء المعنفات على اتخاذ موقف والأخبار».

في الواقع مع التناقل المشوّه لهذه القصة التي لا يعرف مصدرها أو إذا كانت حدثت فعلًا، أم هي مجرد قول مأثور متداول، سقطت بعض الألفاظ منها، ومن هذه الألفاظ التي تغير في تأويل المثل كلمة «مهمَّة» باعتبار أن هؤلاء الجنود الذين اقتحموا هذه البلدة، إنما فعلوا ذلك نتيجة تكليفهم بهذه المهمة، ووفق مصدر عسكري أن المهمة العسكرية «هي عمل تكلف به وحدة ما بين الرعيل الأعلى في مكان وزمان محددين، هناك مهمات تصدر عن مجلس الوزراء كتكليف من الجيش، كمهمة حفظ الأمن، أما باقي المهمات قد تكون محددة».

نص القصة

دخل الجنود قرية واغتصبوا كل نسائها إلا واحدة من النساء، قاومت الجندي وقتلته وقطعت رأسه!

وبعد أن أنهى الجنود مهمتهم ورجعوا لثكناتهم ومعسكراتهم، خرجت كل النساء من بيوتهن يلملمن ملابسهن الممزقه ويبكين بحرقة، إلا هي!
خرجت من بيتها وجاءت حاملة رٲس الجندي بين يديها، وكل نظراتها عزة نفس واحتقار للأخريات، وقالت: هل كنتم تظنوني أتركه يغتصبني دون أن أقتله أو يقتلني.
فنظرت نساء القرية بعضهن إلى بعض وقررن أنه يجب قتلها حتى لا تتعالى عليهن بشرفها، ولكي لا يسألهن أزواجهن عندما يعودون من العمل لم لم تقاومن مثلها!
فهجموا عليها على حين غفلة وقتلوها.
(قتلوا الشرف ليحيا العار)
هذا حال الفاسدين في مجتمعنا اليوم يقتلون ويعزلون ويحاربون كل شريف؛ كي ﻻ يكون شاهدًا على فسادهم!

وإن كنا سنضع الرواية هذه في الإطار الزمني لعصرنا فهذه المهمة، أي مَهَمّة الاغتصاب، تصنّف بـ«جريمة الحرب» عند ارتكابها بالتزامن مع نزاع مسلح دولي أو غير دولي، وكـ«سلاح» يوجهه المقاتل ضد شخص أو أكثر وفق الباحثة في «هيومن رايتس واتش» آية مجذوب. لهكذا نوع من الجرائم أثر مدمر وسلبي على المجتمعات، إضافةً للضرر النفسي الدائم على الناجين، كما أنه يعتمد كأسلوب تعذيب لـ«جمع المعلومات» من الخصم بسياق الحرب النفسية؛ لإذلال العدو، كما استخدام للانتقال القسري، أو طرد المجموعات السكانية الآمنة بهدف غزو الأراضي، على حد تعبيرها.

اعترف نظام روما الأساسي، الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، بالاغتصاب جريمة حرب، وقد تعزز ذلك بقرار من مجلس الأمن الدولي عام 2008 واصفًا الاغتصاب والعنف الجنسي بـ«تكتيك حرب».

وكما هو وارد في بيان التيار الوطني الحرّ، فالتيار لم يدع إلى جريمة الحرب، بل سلط الضوء على المرأة التي قتلت المجنَد رفضًا له، فقَتَلت في وقت لاحق نساء القبيلة هذه المرأة؛ لتصل لجنة الإعلام إلى العبرة من القصة وهي «قتلن الشرف ليحيا العار»، بالتالي الهدف من ترديد هذا الحزب لهذه القصة هي العبرة، غير أنه لاقتران العبرة بالقصة، ولأن هناك سياقًا سرديًّا، ونتيجة تعاقب الأحداث، يعادل الشرف بعدم وقوع فعل الاغتصاب من جهة أخرى، وعدم الوقوع ضحية الاغتصاب يتلازم بفعل القتل دفاعًا عن النفس في هذه الحالة.

إن تلازم فعل الاغتصاب، أي حدوث فعل جنسي مع باقي النساء اللاتي وصمن بـ«دون الشرف»؛ لعدم دفاعهن عن انفسهن مهما كان السبب، يشير إلى تقنية التجنيد العسكرية للجواسيس لتلازم فعل الاغتصاب، بالأمر العسكري، الواقع على كل نساء البلدة، وذلك وفق تكتيك «الحاجة أو العاطفة» لتجنيد الجواسيس لجعله مصدرًا للمعلومات في وقت لاحق، أم الجذب لممارسة الدعارة، غير أنه لعدم استتباع هذه القصة برواية أخرى، لا يمكن الجزم بإن كانت ستتفاعل عملية الاغتصاب هذه بعملية تفاعلية ورغبة متبادلة بين نساء هذه القرية والجنود هؤلاء، لكن لا يمكن الجزم بعملية تجنيد النساء في وقت لاحق، ولأن خطوة الاغتصاب ستستتبع لاحقًا بعودة الرجال إلى القرية وإعلام النساء بما حدث لهن – إن فعلن- للرجال الذين إما سيشنون حربًا على هؤلاء العساكر، وإما يقتلون نساءهم لإخلالهم «بالشرف».

غير أن لجنة الإعلام التي تبنت هذه القصة لم تحث الرجال على قتل النساء، خصوصًا أنه وفق نص المادة 526 من قانون العقوبات اللبناني السابق مرسوم اشتراعي رقم 340 في 1 يناير (كانون الثاني) 1943 المعدلة بقانون رقم 7 في 20 فبراير (شباط) 1990 «يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه، أو أحد أصوله أو فروعه، أو أخته في جرم الزنا المشهود، أو حالة الجماع غير المشروع فأقدم على قتل أحدهما أو إيذائه بغير عمد»، غير أن هذه المادة هي بحكم الملغاة قانونًا، ووفق سياق أحداث القصة هذه أصلاً لم يتم مفاجأة النساء في المضجع، لكن هذا لا يلغي نية التحريض، ويمكن ملاحقة لجنة الإعلام هذه وفق المادة 547و 549 من مواد القتل في قانون العقوبات المعطوفتين على 217 و218 من مواد التحريض في قانون العقوبات اللبناني، غير أنه في القصة الأصلية التي سقطت من البيان عبارة «لكي لا يسألهن أزواجهن عندما يعودون من العمل لم لم تقاومن مثلها» يمكن التعليل بأنه فقط سيجري حث الأزواج على السؤال فقط.

تأويل هذه القصة وتناقلها كثيف، والمستغرب كيف أن «الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية» لم تصدر بيانًا مستنكرًا لتواتر وتناقل هذه القصة في حين سألت رئيستها، وهي ابنة رئيس الجمهورية ميشال عون، في وقت سابق خلال عرض مسرحي «لماذا تثير قضايا المرأة جدلًا واسعًا وتتطلب وقتًا طويلًا، في حين يجب أن تبتّ قضايا العنف الأسري تلقائيًّا؟!». أو ربما تحرّض لجنة الإعلام هذه قتل كل مغتصب على يد المغتصبة، وقعت أم لم تقع ضحية بعد؟

ربما هذا يعلل إصدار هذه اللجنة؛ أي الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، بيانًا توضيحيًّا حول تمويل مشاريع خاصة بالمرأة، ومن المشاريع الخاصة بالمرأة هو استقبال جمعية الشابات المسيحية النساء المغتصبات – إن وجدن رفضًا من عائلاتهن- والمعنفات وضحايا العنف الأسري، أو مؤشر على ارتباك حاصل داخل حزب التيار الوطني الحرّ بالـ«تعاطي» مع إشكاليات تخص المرأة، منها تقبل المرأة المغتصبة أو حتى المرأة بصورة عامة على الصعيد الوطني والضيق للحزب، التي اعترفت المستشارة الأولى للرئيس عون عبر قناة أم تي في بضعف تمثيل المرأة في التيار الوطني الحرّ، متسائلة عن سبب ضآلة انتسابها إلى الحزب ونشاطها، مؤكدة أتها نقطة ضعف.

هكذا يعاد السؤال للسيدة هاشم: كيف تنتسب النساء إلى هذا الحزب وتستبشر النساء خيرًا على الصعيد الوطني، وهناك تخلف في تداول روايات وقصص جنسية حول المرأة بالتلازم لتداول نكاتِ عبر محطة الأو تي في (برنامج: بلا مزح) تسلّع المراة، وتبشّر برشقها بشرفها في سياق العمل السياسي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد