إنه من المُتَعَارف عليه حاليًا لمن أراد التفقه في الدين أن يدرس المُتَعَلِم مذهبًا فقهيًا من المذاهب الأربعة المشهورة (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنبلية)، إذا ما أراد معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال المكلفين، وهذا مُرَاده بلوغ مرتبة الإسلام. أما إذا ما أراد بلوغ مرتبة الإيمان، فعليه دراسة مذهبًا عقديًا مثل: الأشعرية، أو الماتريدية، أو الدراسة على طريقة أهل الحديث، والغرض من هذا الدرس ضبط الأفكار المتعلقة بمعرفة الله سبحانه وتعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وكتبه ورسله، وغيرها من المعتقدات المتعلقة بقضايا الإيمان. وأخيرًا إذا ما أراد الإنسان بلوغ مرتبة الإحسان فعليه بمذهب سلوكي لتنقية القلب ومعرفة أحواله من قبض وبسط وأحواله ومقامته وغيرهم من الأمور المتعلقة به.

ويستند هذا التصور في تعليم من أراد تفقه دينه على حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه جبريل في الحديث المشهور:

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال له: ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: أخبرني عن الإيمان. قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: (ما المسؤول بأعلم من السائل)، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان)، ثم انطلق فلبث مليًا، ثم قال: (يا عمر، أتدري من السائل؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) رواه مسلم.

فمن هذا الحديث يتم الاستدلال على كون المنهجية الضابطة للتفقه في الدين مستبطنة ضمنًا في الحديث الشريف السابق ذكره من خلال الدرس الفقهي – لضبط أفعال المكلفين، وهي أعمال الإسلام المنصوص عليها في الحديث، والدرس العقدي – لضبط أفكار المكلفين وتصوراتهم عن قضايا الإيمان الكبرى، وأخيرًا فالمذهب السلوكي هو ما يقصده الدارس لبلوغ مرتبة الإحسان.

وحين يشرع الدراس للتفقه، يجد أن عملية الدرس تتم من خلال مراكمة جزئيات تفصيلية دقيقة في كل فرع فقهي وعقدي وسلوكي؛ فالبدء في التعلم مثلًا في الفقه يبدأ من أبواب الطهارة وأنواع المياه مرورًا على أبواب الفقه المعروفة، أما عن العقيدة فيشرع الدارس غالبًا في مدارسة أحد المتون الصغيرة، مثل مقدمات السنوسي في الدرس العقدي الأشعري، فيتعرف على أقسام الحكم العقلي والفارق بين الواجب والممكن والمستحيل العقلي وما إلى ذلك من قضايا جزئية أولية، وفي السلوك يتم تناول رقائق صغيرة الحجم كرسالة (أيها الولد) للإمام أبي حامد الغزالي. ويغلب على الدرس الفقهي مثلًا حالة من الانضباط المنطقي الصارم تصل لحد الجفاف ولايجد المتعلم غالبًا في البداية رابط بين تلكم المسائل التفصيلية وبين الحياة التي يحياها من قضايا متعلقة بأولويات الوقت وقضايا مثل قضية كسب العيش في ضوء الحالة الحداثية التي نحياها والتي إن خضع الإنسان لها، فإنه يسلم نفسه طواعية بغرض السير وفقًا لأولويات المنظومة السائدة.

وإذا ما تساءل المتعلم مثلًا عن حالة الضبط المنطقي تلك، وهل كونها مطردة يعني أنها لا تغفل زوايا نظر أخرى في الشريعة قرآنًا وسنة، مثلها مثلًا مثل المصفاة التي تبقي الصلب في المقابل تهدر السائل، وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاعل مع هذه الوقائع بهذا القدر من التشقيق والتفريع المنطقي؛ فعلى سبيل المثال: هل عندما أخبر سيدنا عمرو بن العاص النبي صلى الله عليه وسلم عن اجتهاده في الصلاة دون غُسل بسبب برودة الجو، هل ظل النبي يسأله الكثير من الأسئلة حتى يقره في اجتهاده، وما الذي كان يراعيه النبي صلى الله عليه وسلم من معانٍ شرعية حين أقر سيدنا عمرو بن العاص دون الكثير من التشقيق في السؤال لكان الجواب غالبًا أن هذا الضبط مطلوب نظرًا لتفرد حالة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ونظرًا لفساد الزمان بعد ذلك ظهر الاحتياج للضبط والدقة المنهجية حتى يسلم المسلم من زلل الأفهام غير المنضبطة، والتي قد تودي به للزيغ والضلال. وتشفع هذه الإجابة بأن الصبر على تلك الحالة المنضبطة في جوانب الدرس الثلاثة هي بمثابة الطريق الآمن للوصول لنفسية أقرب بنفسية حال الصحابة، أما دون ذلك فهو طريق غير منضبط وغير مأمون العواقب.

ويستوقفني هنا التساؤل دومًا: ألا تعد هذه الحالة من تجزئة التفاعل مع الشريعة منهجية يقبلها الدارس منذ البداية، ويظل مراكمة الجزئيات فيها نوعًا من التحسين على المنهجية نفسها، وأن عملية الفصل بين الفعل (الفقه)، والفكر (العقيدة)، والقلب (السلوك) قد تتسق، ولكنها بالضرورة يسقط منها حالة تعبدية قبلية في تفاعل العبد بكليته مع الشريعة مستعينًا بمعاني قبلية كالنوايا في تحديد نوع الفعل الذي يلزمه، وما الذي قد يكون مُبَاحًا في ذاته واجبًا في حقه بدافع المسئولية الفردية التعبدية في علاقة العبد بربه سبحانه وتعالى، وأن تلك المنهجية رغم اتساقها سيظل الحال التعبدي – الذي يحتاج لقدر عالي من المؤشرات الأخرى كفقه النفس ومعرفة حال الواقع الذي نحياه وتقدير الأوجب في الوقت – شحيحًا برغم انضباط المنهج واتساقه حتى بعد مراكمة الجزئيات؟

أضرب مثلًا حدث لي شخصيًا؛ كنت قد عُرِضَ علي عملًا منذ زمن كمترجم في إحدى شركات الدعاية والإعلان، وكان من ضمن عملي ترجمة أخبار اقتصادية معلنة في الصحف والمجلات لكبرى شركات صناعة التبغ، فحاك الأمر في صدري وقمت باستفتاء شيخ أثق به، فقال لي طالما أن عملك مباحًا في ذاته فلا بئس، فحين ناقشته في الأمر في كوننا ندعم الاقتصاد العالمي، قال لي: لا يمكننا أن نفتي الناس بناء على الأفكار، فالأصل في العمل الإباحة. وهنا حتى إن سلمنا أن الأمر فيه خلاف بين المذاهب، يبقى الأمر على هذا المستوى للإنسان غير كاف لاتخاذ القرار – الذي يتطلب معرفة النوايا وحال الشخص واهتمامته التي تثقل من أمور وتخفف من أخرى. فإذا ما أخذنا هذا المعيار في كونه الفقهي مباحًا واستمررت في الدرس الفقهي، وعلى الجانب الآخر أحضر الدرس السلوكي فأسمع الرقائق وأحافظ على الأوراد مثلًا؛ فيرق القلب ويطيب الحال، هل ستكون تلك المنهجية قادرة في التعامل مع الشرع قادرة على دمج الحالة الشعورية في كل منسجم مع الأفعال، بدلًا عن انشطارهما، وجعل لكل منهما مساره؛ وينتج عن ذلك عدم قدرة حقيقة على التفاعل الشرعي مع مقتضيات الواقع وتحدياته في ظل الحالة الحداثية التي نحياها، والتي تعكس مفاهيمًا وتصورات مغايرة لما جاء الشرع ليقره.

فهذه المنهجية التي تشطر الحالة الإنسانية لفعل وأفكار وشعور وتراكم جزئيات كل على حدة تقترن لدي بحال إنسان يعمل في إحدى الشركات الـ(مالتي ناشيونال)، يتقاضى أجرًا مرتفعًا، ولكنه لا يجد غاية مما يفعل، وحين تلح عليه تلك المشاعر وينهشه التساؤل الغائي، يقال له ببساطة حتى تتخلص من هذا التوتر والضغط فعليك ممارسة الرياضة، والسفر من حين لآخر (البدائل العلمانية للرقائق في دروس التزكية).

وحتى لا يُفَهَم الكلام على غير وجهه، فإنني حتى وإن كنت أطرح تساؤلات تبدو ناقدة لتلك المنهجية، فهذا لا يقصد منه النقض، بل إن الأضداد يمكن لها استكمال صورة ما بجوار بعضها البعض من خلال توجيه كل نمط تفاعل مع الشريعة في مساحاته الصحيحة المثمرة وعدم طغيان منهجية ما وتصديرها على أنها النمط الوحيد، كما أنني أنوه على هناك حالة تعبدية قبلية – والتي على أساسها يدرك الإنسان ما يتعبد به إجمالاً من مطلوبات الحياة أمام خالقه – قوامها المسئولية عن علاقة الإنسان بربه والتي تنشئ حالة وجدانية يصبح فيها الإنسان مسئولًا عما يختلج في نفسه وتفعيله في أفعال هذه الحياة. وأيضًا لا يُفَهَم أنني أتبنى الحالة السلفية المعاصرة نظرًا لعدم نقدها وتقاطع تلك التساؤلات مع تلك الحالة؛ فالحديث عن طرف لا يعني بالضرورة ترجيح الطرف الآخر، بل إنني أسعى لتكوين ملكة ما في التعامل مع الشرع وفقًا لمقتضيات الواقع الذي نحياه بتحدياته الحالية يصبح فيها الوحي مهيمنًا على الإنسان في كله المنسجم، وما بين طرفي الثنائية احتماليات ثرية ومفتوحة، بل ويمكن التعويل على تكوين نقطة ارتكاز ما تحاول الإجابة عن فراغ ناشئ في كيفية تعبد الإنسان في هذا الواقع المُلتَبِس.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد