للفيلسوف الفرنسي رولان بارت نظرية نقدية شاعت حديثًا يٌتَعَارف عليها باسم (موت المؤلف)؛ وتعني أن سلطة المؤلف تنتهي انتهاء مطلقًا بعدما ينتهي من كتابة النص، ويتفرد المتلقي بالنص تفسيرًا وتأويلًا اعتمادًا على الفهم الذاتي بحسب كل قارئ. ونجد أنفسنا نسأل تساؤلًا وجيهًا: ما الذي يضمن معيارية الفهم وعدم شيوع النسبية في تلقي النصوص؟ ما الذي يعهد باستقامة الفهم وعدم شيوع الفوضى بتعدد المتلقين واختلاف نوياهم وشخوصهم ومشاربهم المعرفية والثقافية…إلخ؟

وإذا ما عممنا الأمر قليلًا لوجدنا أن هذه الأسئلة، بل هذا التخوف من عدم انضباط الأفهام في تلقيها للنصوص، قد شغل المجتمعات المسلمة منذ بداية المائة الأولى للهجرة وحتى يومنا هذا؛ فالعلاقة بين المسلم والنص الشرعي وكيفية تلقي النص باتت قضية مؤرقة منذ أمد بعيد. وعلى ما يبدو أن التخوف من أن يفهم الإنسان ما يشاء بحسب أهوائه وميوله ورغباته غير المنضبطة أو بقدر ما أوتي من ملكات عقلية – والبشر في ذلك يتفاوتون – أكثر أصالة في النفوس مما صاغه بارت في نظريته؛ فالمسلمون لم يكن لهم ليتركوا هذا التخوف من شيوع الأفهام دون انضباط حتى يصوغ بارت – أو مدرسة ما بعد الحداثة برمتها –  نظريته الفلسفية.

وأدى هذا إلى تأسيس المذاهب الفقهية والعقدية بل وحتى السلوكية على أسس من القواعد المنضبطة، وعمل أئمة كل مذهب على اتساق مدرسته الفقهية والكلامية (سأقتصر هنا عليهما مع عدم الاستدلال بالمدراس السلوكية المتنوعة)، وتجلى الحرص البالغ في ضرورة وجود مرتكزات تعمل عمل الأوتاد التي تنضبط عليها الجزئيات وتتبلور وتتسق إلى أن أفرد أئمة المذاهب الفقهية المشهورة (الحنفية – المالكية – الشافعية – الحنبلية) أصولًا فقهية تنضبط عليها الأفهام، وتتسق عليها الأحكام الشرعية، وكذلك كان الحال في المدرسة الأشعرية (الذي سأقصر الاستدلال عليها دون غيرها) من تقعيد القواعد واختبار مدى اتساقها برد الجزئيات العقدية إليها. ومع مرور الزمن وعمل العلماء على المذاهب واتباع المقلدين، تكاثرت الجزئيات وتعددت الأصول داخل كل مذهب، إلى أن وصلنا إلى مدارس مكتملة الأركان متسقة الأصول يرد إليها الأحكام الشرعية في اطراد وانضباط.

واستقرار الأمر على هذا النحو يدفعنا لعدد من التساؤلات التي لابد منها مع عدم الإقرار بوضع إجابات نهائية فيها حتى الآن: هل هذه الأصول المنطقية معبرة تمامًا عن كل ما جاءت به الشريعة في كلها – قرآنًا وسنة – لتراعيه وتلفت النظر إليه؟ هل الشريعة في كليتها لا يوجد بها أصولًا أخرى – قد لا تكون بإحكام الأصول المستقرة في المذاهب الفقهية والعقدية – ولكنها أكثر استجابة للفقه التعبدي اليومي للمسلم في حراكه المستمر وتفاعله مع الحياة؟ هل معيار الاتساق والانضباط كفيلين بعدم إهدار معاني أخرى لا يظهرا في حال الاتساق والإحكام؟ هل الأولى حين التخوف من شيوع فوضى الأفهام ربط المسلم بالقواعد المنضبطة أم ربطه وجدانيًا بالعلاقة بالله عز وجل وهذا كاف لسلامة الفهم، بل الحرص على إرضاء الله، وبالتالي يكون المجتمع المسلم مجتمعًا ثريًا لا عشوائيًا في فهمه وتقديره للأمور والنوازل. باختصار هل الأولى من منظور التعبد الفردي والمجتمعي ربط الفروع التعبدية بالأصول المنطقية الفقهية والعقدية أم بالمعاني الإيمانية الوجدانية من خلال التعويل على علاقة العبد بربه، ويظل للفقه والعقيدة الممنهجتين مجالهما في أمور تختص بالدرس والبحث العلمي، أو في حالات القضاء التي تحتاج إلى ضبط ما في التعامل مع الناس، وهذا الافتراض على سبيل التساؤل، لا القطع، وليس الغرض منه وضع الأمر في ثنائية حدية، بل في ثنائية فضفاضة بغرض التفسير والنظر.

ولبيان ما جاء مقدمًا، أضرب مثلًا فقهيًا والآخر عقديًا؛ في الفقه الحنفي يجب اقتران النية مثل قول البسملة والتكبير مع التعيين على الذبيحة المُرَاد ذبحها استنادًا للوجوب في قوله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ36). (الحج). والوجوب يعني أنه إذا تعمد إنسان عدم التعيين عدت الذبيحة في حكم الميتة ولا يجب أكلها أما إذا نسي الذابح فلا حرج عليه. ولكنهم لا يشترطوا اقتران القول وتعينه في أعمال أخرى؛ فإذا قام خطيب الجمعة لأدائها ثم عطس فقال الحمد لله دون تعيينها عدت بذلك خطبة جمعة.

ونجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن لحم مذبوح لا يعلم إذا ما كان قد سُمِي عليه أم لا، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم (سموا عليه أنتم وكلوه) –  كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قومًا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قومًا يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال: (سموا عليه أنتم وكلوه) قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر – لمحات تربوية مهمة. وهذا الحديث في المذهب الحنفي يدرج تحت مسمى استحسان الأثر؛ أي إنهم يقرون صحة نسبه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه يظل معينًا بواقعته، ولا يستخدم للتدليل على ما سواه من وقائع.

وإذا ما رجعنا للحديث فلن نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد وقف كثيرًا ليتساءل عما إذا كان الذابح قد تعمد عدم التسمية أم لم يتعمد؟ هل هو من أهل الكتاب أم لا؟ ولم يأمر السائل بأن يذهب مثلًا ليتقصى عن حال الذابح. وفي هذا لمحة تربوية تؤصل مثلًا للتيسير وعدم تشكيك الإنسان في فعله دون داعي بل عدم الانشغال بكل ما يمكن الانشغال به من أسئلة؛ فالإنسان غير مطالب إلا بما اعتمل في نفسه من أسئلة، وبالتالي لا يجب عليه الاحتراز بما لم يشغله السؤال عنه. وإنني أظن أن العلة المطردة الظاهرة في الحديث – حداثة القوم بالكفر –  ليست هي القاعدة الوحيدة التي يستنتنج منها فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

قد يقول قائل: إن مثل تلك اللمحات لا يمكن تقعيدها، ولا يمكن جعلها أصولًا متماسكة يُفَرع عليها الجزئيات، وبالتالي يكون الناتج التشظي والفوضى في الفهم وما إلى ذلك. وأقول: إن عدم الاطراد الأصولي ليس النتيجة الحتمية له نسبية الأفهام وفوضى التقديرات، خاصة إذا ما تربى الإنسان المسلم على علاقة حقيقية قوامها المسئولية بينه وبين ربه قائمة على الربط الوجداني والتي يكون زادها القرآن والسنة وغيرهما مما يتفتق عنهما من علوم ومعارف بحسب حاجة كل شخص.

وهناك مثال شهير في المنظومة الأشعرية العقدية تجوز على الله تعالى إثابة العاصي وتعذيب المطيع اتساقًا مع تعريفهم للعدل وهو حكم الذات فيما تملك أما الظلم فحكمها فيما لا تملك، وبما أن الله هو المالك الحقيقي للعباد، فبالتالي يحق له فعل ما يشاء فيهم ويكون ذلك من مقتضى العدل. إضافة إلى نظرية الكسب المشهورة التي لا تجعل للإنسان إرادة مطلقًا في أي فعل، فالفاعل الحقيقي هو الله، والإنسان لا يستطيع إلا أن يكتسب الفعل الذي خلقه الله له، وهذا التقسيم ولزوم هذه الجزئيات من باب اتساق المقدمات العقلية التي يقرها المذهب مع نتائجها، وهذا ما لا يسع المجال لذكره هنا في هذا المقال.

إننا حين نطالع القرآن الكريم وحديث الله عن ذاته نجد أن الفصل بين ذات الله وفعله وعلاقة الله بعباده لا يتأتى لا على النحو المنطقي المُحكَم وحده، فعلى سبيل المثال نجد الله يقول في مواضع لا حصر لها إنه ينصر عباده ويدخلهم الجنة، ويقرن ذلك بالعمل الصالح، ومثال ذلك قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107)) (الكهف). وقوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)). (الروم).

أعلم أن هذه القواعد المنطقية المنضبطة في كل من المنظومة الفقهية والعقدية لها الكثير من التفصيلات والجزئيات المكملة لها حتى لا توقع متعاطيها في وهم تصورات باطلة عن الله عز وجل، كما أنني أتفهم أن تلك القواعد أشبه بالأوتاد التي يدور الفهم في محورها حتى لا يصبح الفهم مرجعية في ذاته وتُفقَد هيمنة النص الأصلي وسط تيه الأفهام – كما هو الحال في تيارات ما بعد الحداثة ونظرية (موت المؤلف)، كما أن تلك القواعد تحدد المجال التي يتحرك فيه الفهم وتضبط مساره خشية الزيغ والانحراف أو عدم الدقة والتشتت، كل ذلك لا أنكره، ولكن مع هذا كله لا يستقيم أن تكون الربطة الأولى بين المسلم وربه حين يريد التعلم عن دين الله التفاعل مباشرة مع الفقه والعقيدة في صورتهما المدرسية، بل إن ربط وجدان الإنسان بربه وتفعيل علاقته به هو الأولى والأضمن لثراء الأفهام ومقضيات التعبد، كما رعاها النمط التربوي في الحديث النبوي المذكور آنفًا وغيره من النصوص الشرعية.

إنني لا أضع النصوص الشرعية في ثنائية حدية صادمة مع المدارس الفقهية والعقدية المستقرة في البيئات العملية الإسلامية ، كما أنه لا يفهم من هذا الطرح الأولي أنني أحسم الخلاف لصالح أحد أطراف الثنائيات الحدية المشهورة، مثل المذهبية/اللا مذهبية الفقهية، أو السلفية المعاصرة في مقابل الأشعرية؛ إننا حين نخلل تلك القضايا الكبرى ونرى جزئياتها الصغيرة يصعب علينا حسم القضايا لصالح أحد الأطراف بهذه السذاجة، فتلك الأمور مكونة من جزئيات كثيرة ودقيقة ويزداد الأمر تعقيدًا إذا ما نظرنا لتلك الجزئيات في ضوء الواقع الملتبس الذي نحياه الآن، فنحن لا نحل مشاكل الماضي، بل نسعى في التفاعل مع تحدياتنا، وهذا لا يوقعنا – بإذن الله – في حالة من التشظي، بل التريث والتمهل على بلورة الجزئيات وعدم حسمها لأفكار مقولبة قبل نضوج جزئيتها.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, الدين
عرض التعليقات
تحميل المزيد