المفهوم هو الفضاء المعرفي لأية حضارة ,وهو الذي يحدد أيضا سماتها التي تعطي للثقافة والحضارة ملامحها الذاتية؛ فالمفهوم هو الوعاء الحضاري الذي تتكثف فيه أبعادها الأساسية: اللغة والعقيدة والمنهج، تلك العناصر التي تحدد تصورات الإنسان لله وللكون وللحياة (1). ومن أهم وظائف عملية بناء المفاهيم هي المساهمة في عملية إعادة تكوين العقل المسلم .(2).

 

فالمفاهيم ليست ألفاظا كسائر الألفاظ,  بل هي مستودعات كبرى للمعاني والدلالات.وهي منظومة فكرية يفترض فيها الانسجام من أجل أن تحقق المراد من وضعها وبنائها.فالمفهوم ليس ترفا فكريا, ولا هو ممارسة بحثية, أو عملية إجرائية, ولكنه بالأساس أداة لتغيير الواقع. ومن هنا أهمية إعادة الروح لمفاهيمنا الحضارية وإعادة بنائها على أسس سليمة تلائم عصرنا وإنساننا كشرط أساس للخروج من حالتنا الحضارية المتراجعة.

 

ومفهوم الأمانة في ارتباطه بمفهومي الديانة والعمران من المفاهيم المركزية الواجب علينا إعادة بنائه من جديد في قلوب وعقول أبناء حضارتنا العربية المسلمة, إن شئنا بناءً جديدا حقيقيا. ذلك أن مفهوم الأمانة مفهوم مركزي في عمران الحياة, ومن دونه يصعب جدا لدرجة الاستحالة أن يتقدم مجتمع أو ينهض شعب, وهو أيضا أساس لأي فهم حقيقي للدين كما جاء من عند الله دون تحريف أو انتحال. ويصعب جدا كما تدلنا تجربتنا التاريخية في القديم والحديث أن يرتفع عمراننا, ويصح فهمنا لديننا, دون وجود أساس الأمانة المتين الذي يحمل الدين والعمران, ويحميهما من الطغيان والتطرف المنذران بالخراب.

 

وعندما نتحدث عن ضرورة إعادة بناء مفهوم الأمانة, فلست أقصد جانبه العبادي الشكلي فقط الذي تشير إليه مظاهر أداء العبادات التي أمر الله بها ورسوله, أو في اجتناب المحرمات التي نهى الله عنها ورسوله بأشكالها الصحيحة فقط كما هو قائم في واقعنا المعيش, لا, ليس هذا مقصودي, لأنه لن يؤدي لتشغيل منظومة المفاهيم الثلاثة التي يعالجها المقال.

 

ولكن ما أقصده هو المعنى الحضاري للمفهوم الذي هو شرط لازم في أي أمة تبغي الفلاح والتقدم. وهو ما أشارت إليه الآية (72) من سورة الأحزاب: ” إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” والحديث الذي رواه حذيفة المتعلق بمفهوم الأمانة ونزولها جذر قلوب المؤمنين (أَنَّ الأَمانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) ولا عن رفعها من قلوبهم (يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مثل أَثَر الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقى أَثَرُها مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرِ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا؛ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَان)(3)

 

فالناظر في التاريخ قديمه وحديثه يرى استفاضة حتمية لزوم أي مجتمع معنى الأمانة بمفهومها الحضاري حتى يستطيع أن يحيا حياة طيبة. والتزام هذا المفهوم عبر التنشئة في المنزل, وعبر مناهج التعليم, وشيوعه في المجالين الخاص والعام, هو المدخل الحقيقي لعمران جديد للإنسان والبنيان. فإعادة بناء مفهوم الأمانة وطرق توصيله لقلوب وعقول أبناء الأمة –وخاصة النشء الصغير- هو المبتدأ الحقيقي لأي فهم جديد للدين كما أنزله الله.

 

والانطلاق من مفهوم الأمانة مدخلا لتناول معنى الدين وتلقينه لأبناء الأمة, بدلا من مدخل تعليم العبادات مجردة منه, هو السبيل لتنهى هذه العبادات عن المنكر وتأمر بالمعروف, وهو السبيل لتعارف حقيقي ورحمة ومحبة لكل عيال الله. وهو مفتاح أي سعي رشيد لبناء حضاري جديد ينمي عمراننا ويطوره. ذلك أن مفهوم الأمانة يستدعي في القلب والعقل والجسد معنى الدين الحقيقي, ويشغل كل مفاهيم القرآن العمرانية في سلاسة ويسر, إن أدركه وتمثله إنساننا المصري الذي عربه الإسلام.

 

وتجربتنا الحضارية في بواكيرها في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير شاهد على ذلك, لقد تشبع المؤمنون الأوائل بمعنى الأمانة, فسهل عليهم فهم المعنى الحقيقي للدين باعتباره عمرانا, وإخراجا للذات وللغير من عبودية الهوى إلى عبودية الله وحده, والسعي لكي يتحرر كل البشر, وينعتقوا من إسار الأغلال المادية والغيبية الأسطورية التي أحالت حياة البشر إلى شقاء وشقاق دائمين, فصنعوا حضارة لا نزال نحلم ببعض أمجادها, ولا نستطيع, لأننا فقدنا هذا المعنى العميق لمفهوم الأمانة في أنفسنا وفي جنبات مجتمعنا.

 

وما رأيته في حياتي على مدار أكثر من عشرين عاما أن أغلب فشلنا يأتي من هذه الوجهة, وهذه الثلمة في قلوبنا وعقولنا. فالأفكار السياسية التي تحملها أحزاب أو جماعات تفشل لأنها من هذه الجهة أصيبت, والأعمال الاجتماعية والاقتصادية, وكل محاولات النهوض تفشل وستفشل ما لم يدرك إنساننا العربي المسلم معنى الأمانة وتحمله ومسئوليته عن الأمة والكون بأسره وينزل هذا المفهوم في جذر قلبه.

 

فالذي يأتي متطوعا لعمل ما لا يأتي من أجل تحمل أمانة واجبة عليه, ولكن من أجل ثواب يبغيه أو يأتي لينال أجرا -و هو أمر لا غضاضة فيه- لكن المشكلة أنه يؤدي -ولا يقيم- وظيفة دون اتقان, ولا يلتزم أمانة يحسها ويشعر بها ويمتلأ بها فؤاده وعقله وجوارحه, وتملك عليه نفسه حتى يراها مساوية لحياته ووجوده.

 

سنظل نشكو كثيرا من فشل أعمالنا الإصلاحية, ويندب كثير من الساسة والمصلحين, وغالبية شبابنا حظهم العاثر, أن الثورات لم تنجح في تغيير الواقع, والأعمال الإصلاحية لم تؤت ثمارها, والمشروعات القومية لا نحس بآثارها, حتى نستعيد مفهوم الأمانة في قلوبنا وعقولنا.

 

تحتاج بلادنا أن تعيد النظر في مفهوم الأمانة وتعيد له مكانه ومكانته في العقول والقلوب, عبر مناهج التربية والتعليم, وفي ساحات الجمعيات الأهلية, وباحات المساجد والكنائس, وبين جدران الأحزاب والنقابات, وفي المكاتب الحكومية, وهو عمل لو تفرغ له نفر من الأمة ونذروا له أنفسهم وأعمارهم وأموالهم, وتعاونوا معا لبناء منهج جديد يسهم في إدخال مفهوم الأمانة في قلوب وعقول ناشئة الأمة وكبارها  وفي كل ميادين حياتنا ليؤدي كل منا أمانته التي اؤتمن عليها, وليتق الله ربه, لكان خيرا كبيرا وفتحا حقيقيا وثورة فعلية تنقل بلادنا إلى مرحلة الرشد: ساعتها نكون وضعنا أقدامنا على أول الطريق الصحيح نحو مستقبلنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[2] الحديث متفق عليه
عرض التعليقات
تحميل المزيد