أول ما يلفت نظري في الخبر المفزع والمحبط في وقت واحد، الذي نشرته مؤخرًا بعض المواقع والصحف مثل موقع عربي 21 ووول ستريت جورنال ونيويورك تايمز في الأيام الماضية، وهو الخبر الذي ذكر فيه أن أميرًا في دولة عربية اشترى لوحة الرسام الإيطالي ليوناردو دافينشي السالفاتور موندي (مخلص العالم)، وأنه دفع مقابلها أموالًا عظيمة بلغت نصف مليار دولار! أول ما يلفت نظري، ونظر أي متابع منصف يتوخى الحقيقة المجردة والنصح الخالص، واللذان ينبغي أن يكونا مطلبًا لأي فرد هو هذا الترف الباذخ والرفاهية الفاحشة، التي لا تحدها حدود وتبذل فيها أموال بمثل هذه الضخامة، صحيح أنه ليس من الحق أن ننازع أحدًا فيما أعطاه الله من بسطة في المال، لكن أن تنفق بمثل هذا السخاء، بمثل نصف مليار، من أجل لوحة مجرد لوحة! فهذا مما يأباه العقل والمنطق، ومع هذا فإن ديننا الحنيف يأمرنا بالتوسط والاعتدال في كل شيء، وينهى عن الإسراف والتبذير.

وكونه خبرًا مفزعًا بالنسبة لي ولدى الكثيرين، فإنه يرجع إلى أن فكر قادتنا وزعمائنا فيما هو مفترض، ينبغي أن يكون على قدر كبير من الإحساس بحجم المخططات التي يدبرها ويديرها العدو في المنطقة، وأن يكون أيضًا على قدر كبير من الزهد في الدنيا وترفها وزينتها، أما أن يحل محل ذلك اهتمام بالصور والفن واللوحات، وتبذل الأموال في لوحة السالفاتور موندي التي تمثل نبي الله عيسى عليه السلام، وهو ما لا يتوافق مع شريعتنا الإسلامية، لأنه لا يجوز تصوير أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، كما أنه لا يجوز اقتناء الصور لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة»، فهذا مما يعظم البلوى ويجعل الحليم حيرانَ.

وكونه خبرًا محبطًا بالنسبة لي، فلأن هذه الأموال التي أنفقت في الوقت الذي تفرض فيه حالة التقشف وعدم زيادة الأجور وحملة الحفاظ على المال العام في ذلك البلد، هذه الأموال كانت كفيلة بالقضاء على وباء الكوليرا مثلًا، الذي انتشر في اليمن مؤخرًا وراح ضحيته الآلاف ممن لم تهلكهم الحرب، والذي قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن عدد الحالات المحتملة فيه وصل إلى مليون حالة! مليون حالة محتملة أي أن الكوليرا سوف تحصد في الشهور المقبلة على الأرجح أضعافًا أخرى من أرواح أشقائنا اليمنيين، كانت هذه الأموال المنفوحة من الأوجب أن تنفق في القضاء على هذا الوباء المنتشر؛ وكان الأوجب أيضًا أن تنفق في إعانة المتضررين من الحروب التي طال أمدها في اليمن وسوريا، غير أن سفارة ذلك البلد في واشنطن أعلنت في بيان لها أن هيئة الثقافة والسياحة في دولة مجاورة، هي من طلبت من الأمير أن يكون وسيطًا في شراء اللوحة التي عرضت في مزاد دار كريستيز في نيويورك، وإذا كان هذا البيان ينفي تهمة شراء الأمير لها من ناحية، إلا أنه في الوقت نفسه يدخله فيها بوصفه وسيطًا في شراء لوحة دافينشي التي يرسم فيها نبي الله عيسى عليه السلام! ولا أدري ماذا سيغير ذلك سواء كان مشتريًا أو وسيطًا أو إن كان المالك هو الأمير أو هيئة الثقافة والسياحة.

يجوز لي بعد ذلك أن أصف الخبر المحبط بالمأساة، لأن طائرات إسرائيل تقتل المسلمين في غزة وطائرات روسيا تقتل المسلمين في سوريا، وطائرات الولايات المتحدة تقتل المسلمين في العراق، وطائرات التحالف تقتل المسلمين في اليمن، ونحن بعد هذا نهتم باللوحات والفن، فيا للهول!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد