الحكمة تقول إنه يتحتم علينا أن نهتم بشأننا فقط، وأن ندع الخلق للخالق ولكن نادرًا ما نتبع هذه الحكمة التي تحث على إصلاح عيوبنا والاشتغال عليها بغية تقويم كل اعوجاج فينا بدل الانشغال بالآخرين، ولإمعان النظر في أدق تفاصيلهم. شخصيًّا أعتبر هذه الممارسات والسلوكيات انتهاكًا لخصوصية الفرد ونوعًا من التطفل الذي يخلو من كل المبررات. فبأي حق وتحت أي مسوغ يعطي الفرد نفسه الحق في ولوج عالم غيره دون استئذان سعيًا للإحاطة بكل كبيرة وصغيرة تخصه، تارة بدافع الفضول وطورًا رضوخًا لتعليمات النفس الأمارة بالسوء. هذا فضلًا عن مبالغة البعض في كيل التهم جزافًا للآخرين ودون وجود أدلة تثبت كلامهم.

إنها مسألة جديرة بالطرح والنقاش قصد إيجاد الحلول الكفيلة بالحد من هذه الظاهرة المتفشية. فمن غير المنطقي إلقاء اللوم على الآخرين والتنصل من المسؤولية. كل هذه التصرفات التي تنم في جوهرها عن قلة وعي بضرورة مواجهة الأخطاء قصد إصلاحها وترميم الكدمات في الشخصية، كما تكشف عن خلل يعزى بالأساس إلى غياب ثقافة الاعتراف وعدم الاعتذار عند القيام بالأخطاء مهما كان حجمها.

كلما قام أحدهم بهفوة سرعان ما يرمي الكرة في ملعب غيره محاولًا إبعاد الأنظار عنه. وهذه الخصلة مذمومة بالنظر إلى أنها تعكس قصورًا في التفكير ورغبة دفينة في ترحيل المشكلات بعيدًا عن روح المسؤولية والالتزام. فالتفصي من المسؤولية لا يعدو أن يكون ضربًا من الهروب من الالتزامات، بحيث يكون الفرد في حل من كل ارتباط تؤرق مضجع الكثيرين وتنغص عليهم حياتهم.

مصطلح «التفصي» بما هو نوع من التخلص من الشيء بغية تجنب الخضوع للمساءلة والمحاسبة بات عملة رائجة في عصرنا الراهن، مما ولد صراعات وشروخًا كبيرة داخل المجتمع وما بين الأفراد والجماعات المتباينة على مستوى الأفكار والمصالح. وقد ساهم هذا التصرف في بروز وعي جمعي بأهمية نشر هذه السلوكات قصد عدم السماح لكل من يريد معارضة المتعارف عليه بفضح ممارساتهم وتعطيل مصالحهم.

على كل فرد أن يدرك جيدًا حجم المهمة الملقاة على عاتقه. فنحن لم نخلق عبثًا وإنما حكمة الله عز وجل تقتضي منا الاجتهاد والتفاني في كل ما نشتغل عليه، وأول ما يجب فعله هو عدم التخاذل إذا ما تعلق الأمر بأداء واجباتنا تجاه وطننا وكل من له الحق علينا. فغالبًا ما نطالب بحقوقنا المشروعة ونتغافل في المقابل عما يتعين علينا القيام به. يجب أن نعي أننا مقصرون تجاه أوطاننا ومجتمعنا حتى نعمل جاهدين على الارتقاء بذواتنا وتحسين مواطن الخلل فيها. تلك هي معادلة النجاح إن شئنا وأما فلا مجال للحديث عن تطور أو تنمية. لا مناص من التفكير في كيفية تحسين الشخصية الإنسانية بمعزل عن كل الاختلافات.

كلنا مسؤولون عما يحدث حولنا بدرجات متفاوتة، ولكن الفارق يكمن في مدى تفاعلنا مع مجريات الأحداث. علينا أن نكون إيجابيين في التعاطي مع المستجدات حتى نكون فاعلين حقًّا.

فما أحوجنا اليوم إلى تحمل مسؤولياتنا كاملة من خلال التحلي بالصبر من أجل النجاح في مجابهة الصعاب عبر إدارة الخلافات وتذليل الصعوبات والكف عن إلقاء التهم جزافًا. ختامًا نستحضر المقولة المأثورة التالية: «لا تنظروا إلى عيوب الآخرين كأنكم أرباب ولكن انظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد». في انتظار تفاعلاتكم لكم مني أفضل تحية وأعطر سلام. والسلام لكل الإخوة والأصدقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد