في يوم الاثنين السابق الموافق 18 ديسمبر 2017 م، تقريبًا حول الساعة الثامنة بتوقيت السودان الجديد، كالعادة قمت بتفعيل النت في موبايلي لأقرأ الأخبار والمعلومات التي تشد انتباهي أو تفيد، وبدأت بتويتر، أول تغريدة وقعت عيني عليها كانت للصحفي الكبير وصاحب الصوت الهادئ هارون معروف. شخصيًا يعجبني هذا الرجل وأعتبره من الإعلاميين الذين يحبَب إليَ استماع تقاريرهم الإخبارية ولكن تغريدته في ذاك الصباح لم تعجبني؛ بدلًا من أن تلهمني جعلتني أشعر أول استياء. وكانت تتحدث أنباء حول إطلاق النار في فندق الجزيرة القريب بمطار آدم عدي الدولي. كأي شخص صومالي يحن لبلده، أشعر بالتقلب المزاجي حين أسمع أو أقرأ الأخبار السلبية التي تأتي من بلدي. للأسف الشديد معظم أخبارنا سلبية. وقليلًا ما نسمع الأخبار التي تتحدث عن تحسن أمني في البلاد وخلق فرص التوظيف وعن جامعات بجودة عالية. ومعظمها (الأخبار) تقول إن انتحاريًا فجر نفسه في فندق فلان أو شارع كذا. بالطبع الضحايا هي أمتي المسكينة التي تكافح للحصول على قوتها اليومي.

نرجع للتغريدة التي كنا نتحدث عنها، لأعرف تفاصيل تحزنني أكثر وتتلاعب بمزاجي، واصلت التصفح وإذا بي أفرح فجأة وأبتسم بشكل خفي وأعرف أن إطلاق النار لم تقم به حركة الشباب وإنما كان هجومًا مخططًا من قبل النسيا: وكالة المخابرات الوطنية والأمنية، التي هاجمت المسكن أو بيت السياسي المعارض والمرشح للانتخابات الأخيرة عبد الرحمن عبد الشكور في الساعة 11:30 مساء بالتوقيت المحلي. اشتهر السيد عبد الرحمن بعد الانتخابات التي هزَم فيها في الجولة الأولى بمعارضة وانتقادات لا تتوقف تجاه الحكومة بالرغم من أن عمر حكومة حسن علي خيري أقل من سنة. حسب ما ذكر المتحدث باسم وزارة الأمن إن إطلاق النار بدأ عندما رفض حارسه الشخصي دخول القوات الحكومية في المسكن للتفتيش بالرغم من إعلامهم أنهم يملكون إذن التفتيش من المحكمة. باختصار قُتل أثناء ذلك الهجوم خمسة على الأقل  من الحراس، وتعرض عبد الرحمن لجروح خفيفة واعتقل بسبب ذلك بعدها.

 عندما قلت إنني فرحت بخبر اعتقاله لا يعني هذا أنني أضمر له نوايا سيئة، وإنما الأمر أن هنالك اعتقادًا أو شعورًا (ربما غير صحيح) يهمس لي أن ما آلت إليه بلدي من بهدلة وخراب وشبه دمار أو سقوط للدولة الوحيدة التي تملكها الأمة الصومالية بتنوع قبائلها حصل بسبب السياسيين الذين أبدعوا في استخدام أقنعة مختلفة (قبلية أولها) للحصول على مكاسب شخصية مقابل تدمير البلد.

  وثانيًا نحن نكره الفوضى ونعرف عواقبها الوخيمة أكثر من أي شعب آخر  ولذا ترانا نفضل الرئيس أو الحكومة الفاسدة التي تحاول على الأقل استرجاع نظام الدولة (أولها الأمن) من السياسي الثرثار والذي دائمًا لا يستطيع أن يقنعنا بفكره السياسي أو معارضته للحكومة (أو كيف يريد أن يبيعنا مع البلد)؛ ولذلك التجرؤ على أي سياسي يشعرني أن النهاية قد بدأت لهؤلاء. ولهذا أفرح؛ وأتمنى أيضًا أن يطلق سراحه ويتم تبرئته إذا كان هو ليس من هؤلاء.
بعد أن شربت قهوة سيئة وغالية (لأنني تفاجأت بسعرها) ذهبت إلى وزارتي التعليم العالي والخارجية لأقوم بمهام وكلت إليَ. أثناء قيامي بالمهام كان يراودني شعور بقلق، وكنت أتخيل ما يمكن أن يحدث هناك (في الصومال).

«ربما الحالة السيئة تزداد ويرجع البلد إلى نقطة الأول» قلت لنفسي، وهو ما حدث في بداية التسعينيات أو نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. 

 لحسن الحظ البلد لا يزال في حاله. وأن شعبي المسكين الذي يقوم في بعض الأحيان بتصرفات غريبة دائمًا تكون نتيجتها غير محمودة ساكت ولا يأبه بالسياسي المعتقل (ربما لم يجد من يحركه بعد).

ولكن قرأت من المواقع الرديئة أن فئة أخرى ثارت، فئة تدعي أنها مثقفة، فئة أتقنت وتتباهى بلغة إنجليزية ركيكة، فئة تتقاضى راتبًا (خياليًا لنا) في بلد معتمد على الإعانات كليًا. وفئة تقول إنها تعمل ولكن نحن الشعب حتى الآن مستغربون ومتسائلون حول عملهم الحقيقي فضلًا عن النتائج المترتبة لعملهم المزعوم. وقرأت أيضًا أخبارًا أخرى تتحدث عن أكثر من 50 من الأعضاء في البرلمان الصومالي الفيدرالي مجتمعين في أحد الفنادق بالعاصمة ولكن قبل انتهاء اجتماعهم، أسرع بعض منهم للتغريد في تويتر ومنشورات طويلة في فيسبوك بكلمات غير متناسقة وغير هادفة لشيء إلا أنها تحاول أن تهدد الحكومة بالسلاح القبلي المخَوف والمدمر فقط.

في النهاية يدور في خلدي أسئلة كثيرة كما تدوّر الرياح السفن وتغرقه ولا أنوي البوح بكلها ولكن بعضها الآتي:
إلى متى يستمر بعض من قبائلنا في الوقوف مع الفاسدين والمجرمين والإرهابيين من أبنائهم ولو على حساب خراب الأمة والبلد؟

كيف يستمر قلة من أعضاء البرلمان في الاجتماع والتهديد بشكل علني لتقويض النظام المهترئ أصلًا في البلاد، أليس في البرلمان رجل أو امرأة تستطيع طرح التصويت على هؤلاء لطردهم من البرلمان على الأقل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

امنية, خوف, مشاكل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد