مضى أكثر من شهر على إعلان الهدنة جنوب سوريا بتفاهمات دولية أقرب ما تكون إلى السراب منها إلى الواقع.

اجتماعات «عمان» بين الدول المؤثرة في الملف السوري مع قادة الفصائل في الجنوب لم ينتج عنها سوى فرض وقف إطلاق النار وإلزام طرفي الصراع – المعارضة والنظام – بالتنفيذ.

روسيا التي حاولت الظهور بمظهر حمامة السلام لم تتمكن وبعد شهر من المفاوضات من إخراج معتقل واحد من سجون اﻷسد وهو ما يعني بالضرورة أنها لن تكون جزءًا من الحل، وستبقى طرفًا من الصراع الذي قد يستمر سنواتٍ مقبلة.

واهمٌ من يظن أن روسيا، وبعد سبع سنوات عجاف مرت على الشعب السوري وكانت سببًا مباشرًا في مأساته؛ تحاول العمل على تضميد الجراح وإعادة اﻷمور إلى نصابها وتحقيق أبسط تطلعات السوريين في الحرية والعدالة، كل ما أتت به روسيا من قصف بمختلف أنواع اﻷسلحة كان فقط للحفاظ على سوريا كاملة غير منقوصة مع الحفاظ على نظام الحكم الحالي، تصريحات المسؤولين الروس منذ مطلع العام 2012 والتي أكدت على عدم السماح بوصول حكم سنّي في سوريا لم تكن غير مقصودة وسرعان ما أكدها وزير خارجيتها بعد التدخل العسكري المباشر بالقول لولا تدخل روسيا لسقط اﻷسد خلال أيام.

كل هذه التصريحات وأفعال روسيا المتمثلة بالقصف وارتكاب المجازر هدفها الحفاظ على النظام وليس مؤسسات الدولة كما تدعي، وكل الهدن التي شاركت روسيا في فرضها كانت ضمن سياسة مدروسة الهدف منها تحييد مناطق وتركيز حملة عسكرية باتجاه منطقة بعينها حتى يتم السيطرة عليها وإعادتها عنوة لحكم اﻷسد ومناصريه، حدث ذلك في غوطة دمشق الغربية بعد الهدنة التي أعلنتها روسيا في شباط 2016 تمكنت من بسط سيطرتها على داريا والمعضمية وخان الشيح وخلال محادثات «أستانا» تمكنت روسيا من بسط سيطرتها على قرى وادي بردي غير آبهة بمطالب المعارضة بضرورة وقف القصف للدخول في المحادثات.

السيناريو ذاته تعيده روسيا اليوم في الجنوب نص الاتفاق الذي تريده يقوم على أساس (لا اتفاق) ولا إلزام، تهربت روسيا من ملف المعتقلين والذي يفترض أن يكون من أبجديات التفاوض واﻹفراج عنهم كبادرة حسن نية للحل السلمي الذي تتشدق به، ولم تولِ روسيا أي اهتمام لدستور جديد ولا لسحب المليشيات متعددة الجنسيات، همها فقط تحييد المنطقة وسحب قوات اﻷسد باتجاه الغوطة الشرقية التي تعيش حربًا بإشراف روسي بغية السيطرة عليها وتأمين عرش اﻷسد في العاصمة، كذلك أعطت النظام الضوء اﻷخضر للتقدم في البادية السورية وشرق السويداء للسيطرة عليها والتوجه نحو دير الزور في قادم اﻷيام ﻹعادة بسط سيطرته على حقول النفط.

الولايات المتحدة الطرف اﻵخر في المعادلة أجبرت الفصائل المدعومة من قبلها على قبول الهدنة معلنة إيقاف الدعم لتلك الفصائل، ما يعني أن الدعم طيلة السنوات الماضية كان الهدف منه تهيئة قيادات عسكرية وسياسية تقبل بالحل الذي تمليه عليهم حتى بوجود اﻷسد كأمر واقع والقبول ببعض التعديلات الدستورية وحكومة وحدة وطنية تشارك المعارضة فيها، وهذا الهدف المباشر للدعم اﻷمريكي الخجول للمعارضة، إضافة لتهيئة الحاضنة الشعبية للقبول بأي حل مقابل وقف نزيف الدم وتقديم تنازلات وخفض سقف التوقعات.

كل ما سلف يعني وبالضرورة أن الجنوب أمام خيارين؛ فإما الالتزام بالهدنة وهو اﻷرجح وانتظار مصيره المحتوم المشابه لبقية المناطق، أو إعلان فصائله خرق الهدنة والعودة للسلاح الذي يمكنها من العودة للمفاوضات بقوة وتحقيق حلم السوريين بالتخلص من اﻷسد وزمرته الحاكمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك