جاء تأهل المنتخب اليمنى لكأس أمم أسيا لأول مرة فى تاريخه رغم الصعاب السياسية والإنسانية التى يعاني منها الشعب اليمنى الشقيق فى اليمن – الذي نتمنى أن يعود سعيدًا – ليفتح ملف الانتصارات الرياضية الاستثنائية التى يكون مخاضها صعبًا بسبب الأزمات السياسية فتولد من رحم تلك الأزمات.

الوضع الطبيعى الذى تعرفه بلدان العالم غالبًا أن الانتصار الرياضى يكون ناشئًا من وضع مستقر. ليس شرطًا أبدًا أن يكون وضع الدولة نموذجيًا أو مثاليًا، أوأن تكون الدولة إحدى دول العالم الأول المتحضر… فهناك عوامل أخرى تبدو مؤثرة في هذا السياق.. كوفرة المواهب وحصول وتمتع هذه المواهب بتأهيل وتدريب وممارسة فى دول أكثر تقدمًا.. ولكن الطبيعي لتحقيق الانتصار الرياضي توفر وضع مستقر سياسى يكفل اهتمامًا حكوميًا رسميًا من جانب الدولة فضلًا عن حشد ودعم جماهيرى لتحفيز الرياضيين على تحقيق انتصارهم المرجو.

في أجواء الأزمات السياسية تكون الأمور مغايرة قد تفتقر الدولة إلى الاستقرار السياسى أو إلى وجود قيادة سياسية طبيعية أصلًا.. وقد تكون هذه القيادة السياسية موجودة، ولكن البلاد ترزح تحت نير احتلال خارجى أو تعصف بها دوامة حرب أهلية واقتتال داخلي أو تواجه عدوًا خارجيًا في حرب لم تضع بعد أوزارها.

يُلاحظ أيضًا أن الاهتمام بالرياضة حكوميًا وشعبيًا يتراجع في فترات الأزمات السياسية.. شعبيا.. الناس في ظل الأوضاع السياسية الصعبة لا ينشغلون بالرياضة التي لا تعد من أولويات اهتمامهم، وهذا ما أوضحه المدرب البرتغالي الشهير جوزيه عندما رحل بعد مذبحة استاد بورسعيد المأساوية التي شهدت مقتل 72 شهيدًا من جماهير النادي الأهلي المصري أثناء فترة حكم المجلس العسكرى المصري الانتقالية غير المستقرة نسبيًا.. قال جوزيه عند رحيله آنذاك (الموقف في مصر صعب جدًا، لا أحد يهتم إلا بالسياسة، لا حديث عن كرة القدم ولا انتخاب لاتحاد كرة القدم).. تراجع الاهتمام الرياضي الجماهيري إذن من علامات فترات الأزمات السياسية.

أما رسميًا وحكوميًا فلا يكاد يُلتفت إلى الرياضة في مثل تلك الظروف باعتبار ممارستها ترفًا لا يستحق النظر إليه، فضلًا عن أن الظروف الأمنية المضطربة قد تبدو عائقًا أمام انتظام وتأمين المسابقات الرياضية المختلفة مثلما تم إلغاء النشاط الكروى المصرى عقب نكسة يونيو (حزيران) 1967 لأربع مواسم متتالية، وإلغاؤه كذلك بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.. ومثلما تقرر عدم استكمال بطولة الدورى المصري بعد مذبحة بورسعيد عام 2012.

لكن وسط هذه الأزمات السياسية العنيفة التى تعصف باستقرار بعض البلدان تتفجر انتصارات رياضية دولية من وسط تلك الأزمات تكون بمثابة شعلة نور تضيء عتمة ليل الأزمات السياسية الحالك أمام البائسين واليائسين.

ونلحظ دائمًا أن الانتصار الرياضي المشوب بالاضطراب السياسي يكون على الدوام غير متوقع للأسباب التي ذكرناها من عدم وجود اهتمام داخلى بالرياضة بشكل عام رسميًا وشعبيًا.. عدم توقع تحقيقه من أبرز أسباب أهميته وفرح الناس الزائد به أيضًا.

من مفارقات هذه النوعية من الانتصارات أن الناس لا يهتمون في مثل تلك الظروف بالرياضة.. وكأنهم يستحون من ذكرها أو إظهار الاهتمام بها، ولكنهم في الواقع يتمنون حدوث مثل تلك الانتصارات الرياضية.. هم يحتاجونها أكثر مما يتمنونها.. الانتصار حتى ولو كان رياضيًا، إلا أنه له رمزيته ودلالته، يبقى انتصارًا في النهاية.. ولو كان بقطعة جلد مدورة يلهث وراءها لاعبون، في لحظات الهزيمة والانكسار تتوق النفس إلى انتصار.. أي انتصار.. أي انتصار يعطي النفس أملًا.. أن انفضي غبار اليأس وانهضي.. في أيام التناحر والفرقة والشتات يبدو الانتصار الرياضي قبلة يؤمها الجميع على اختلاف أحوالهم تذوب في أجواء الاحتفال به الخلافات الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية؛ فيصبح بنيانًا جامعًا لهم يستظلون سويًا بظله بين جدران الإخاء والمواطنة.

الرياضيون في ظل تلك الظروف الصعبة أحيانًا ما يخوضون غمار المنافسات الرياضية بروح عالية تعوض نقص الإمكانات الفنية وتتغلب على ضعف الاستعدادات البدنية.. فإذا كانت أجواء الهزيمة وعواصف الفرقة تخيم بظلالها القاتمة على بلادهم فإنهم يصنعون بانتصارهم أرضًا يرفعون عليها راية نصرهم.. نصر يجبرون به أجنحتهم الكسيرة فيحلقون بها عاليًا وينتشلون قومهم من أودية الشتات والخسران إلى سماوات التوحد والعزيمة.

في السطور التالية نعرض لنماذج انتصارات رياضية ولدت من رحم أزمات سياسية صعبة وعلقت بأذهان الجماهير طويلًا:

1- فريق الإسماعيلي المصري -بطولة أفريقيا لأبطال الدورى- عام 1970

شارك فريق الإسماعيلي المصري – بطل آخر نسخة للدوري المصري 1967 قبل توقف النشاط الكروى بعد هزيمة 1967 – في بطولة أفريقيا عام 1969 في ظروف قاسية بسبب قلة الاحتكاك المحلي، بل إن الفريق خاض البطولة بثلاثة عشر لاعبًا فقط.. وقد قال أسطورة النادي علي أبو جريشة أن الفريق تسلل شيئًا فشيئًا حتى حصل على لقب البطولة.

أقيم نهائي البطولة أمام نادى الإنجلبير الكونغولي بطل النسختين السابقتين في استاد القاهرة وسط تخوفات بخلو الملعب من جماهيره؛ لأن النادي الإسماعيلي ليس من أندية العاصمة المصرية؛ ليتفاجأ الجميع بحضور أسطوري غير مسبوق بعد أن امتلأت المدرجات بمائة وعشرين ألف متفرج شهدوا تفوق ممثل الكرة المصرية بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد؛ ليحصد أول لقب أفريقى في تاريخ الأندية المصرية.

لو كانت هذه الجماهير المحتشدة في مباراة للأهلي أو الزمالك لكان ذلك مفهومًا ومنطقيًا.. ولكن احتشادها خلف فريق الإسماعيلي كان له تفسير أوضحه علي أبو جريشة قائلًا: إن أجواء النكسة كانت تخيم على البلاد، فكان ذلك الانتصار الرياضي بمثابة بث روح الأمل بين النفوس المنكسرة من جديد.

2- منتخب العراق -كأس أمم آسيا- عام 2007

في ظل احتلال أمريكى غاشم لبلاد الرافدين وما تبع ذلك من اضطراب سياسي كان مصحوبًا بانقسامات مذهبية وعنف لا يتوقف خاض المنتخب العراق بطولة كأس أمم آسيا عام 2007 بلا توقعات إيجابية وهو ما أكده نجم الفريق أكرم نشأت حين قال: كل اللاعبين كانوا قد حجزوا مقاعد في طائرة العودة وكانوا لا يثقون بالقدرة حتى على اجتياز الدور الأول من البطولة بسبب الظروف السياسية الصعبة التي تمر بها البلاد فضلًا عن ضعف الإعداد. الصعوبات لم تكن بدايتها مع انطلاق البطولة، وإنما خلال التصفيات المؤهلة لها؛ إذ كان الفريق لا يلعب مبارياته على أرضه ووسط جماهيره بسبب اضطراب الأوضاع، فكان يلعب مبارياته في الإمارات.. ولكن المنتخب العراقي خاض طريقه خطوة خطوة حتى استطاع حصد اللقب الآسيوى لأول مرة في تاريخه بعد تغلبه في المباراة النهائية على نظيره السعودى برأسية قائد الفريق ونجم نجومه يونس محمود.. ذلك اللقب الذى لم تظفر به الكرة العراقية طوال تاريخها حتى في عصرها الذهبي في الثمانينات حين تأهلت للدورة الأوليمبية ثلاث مرات فضلًا عن تأهلها لكأس العالم بالمكسيك.

ما كان أحوج العراقيين في تلك الفترة إلى لقب كهذا.. كأس آسيا الفضية التي حملتها ذراعا يونس محمود لم تكن كأسًا رياضية كغيرها من الكئوس.. كأنها بوتقة انصهر فيها العراقيون فصاروا مزيجًا واحدًا ذابت فيه الخلافات السياسية والمذهبية والعرقية.. وكأنما سُكب ذلك المزيج من تلك البوتقة في رافدي العراق فاختلط بمياه النهرين فأحال القوم لقوم آخرين.. العراقيون فرحوا بأبطال المنتخب العراقي، دون النظر إلى مذاهبهم أو أعراقهم.. لم يتذكروا مذهب أو عرق صاحب الهدف أو التصدي لكى يحتفلوا.. لا فرق بين سني أو شيعي أو كردي.. كانوا يحتفلون بعراقي رفع راية العراق وفقط.. وكما احتفل العراقيون بأبطالهم دون تفرقة اصطف المحتفلون دون تفرقة.. هتفت الحناجر باسم العراق ليتوارى خلف هتافها نعيق غربان الطائفية.

3- تأهل المنتخب اليمنى إلى تصفيات كأس آسيا 2018

وسط أجواء سياسية متأزمة وفي ظل أوضاع إنسانية محزنة استطاع المنتخب اليمنى تحقيق إنجاز تاريخي بتأهله لكأس أمم آسيا 2019 لأول مرة في تاريخ اليمن بعد الوحدة.. إنجاز يحسب للاعبي المنتخب اليمني، خاصة أنهم كانوا يلعبون خارج ديارهم بسبب الأوضاع التى تمر بها البلاد فكانت الدوحة شاهدة على تأهلهم التاريخي.. من المؤكد أن المنتخب اليمني استفاد كثيرًا من زيادة عدد فرق بطولة كأس أمم آسيا بعد أن أصبحت 24 فريقًا، بدلًا عن 16 فريقًا، واستفاد كذلك من نظام التصفيات الآسيوية الجديد الذى سمح لأقوى 12 فريقًا بالتأهل مباشرة لكأس آسيا خلال تنافسهم على تذاكر المونديال الروسي؛ مما أتاح الفرصة لـ24 فريقًا آسيويا أن يتنافسوا بدون مزاحمة كبار القارة الآسيوية.. لكن هذه الفرص ما كان ليستغلها لاعبو المنتخب اليمني لولا إصرارهم وتعلقهم بحلمهم.. وبالفعل استغل اليمنيون الفرصة جيدًا ورسموا بسمة على وجه اليمن لعله يعود سعيدًا وحققوا حلم الجماهير التي كانت في أمس الحاجة إلى تحقيق انتصار يعينهم – ولو نفسيًا – على تجاوز أزماتهم السياسية والمعيشية.

لابد أيضًا من الإشارة إلى المنتخب السوري الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلم التأهل إلى المونديال الروسي، ولكنه لم يستثمر الفرص التي سنحت أمامه.. مرة بعدم فوزه على إيران في آخر جولات مجموعته ليضيع حلم التأهل المباشر إلى المونديال.. ومرة أخرى حين وقف الحظ معاندًا أمام رجال المنتخب السوري في الملحق الآسيوي.. فبعد التعادل أمام أستراليا في مباراة الذهاب بهدف لكل فريق خسر المنتخب السورى بشرف أمام صاحب الأرض في مباراة العودة وبعد احتساب وقت إضافي بهدفين مقابل هدف.. ولولا القائم الذي تصدى لقذيفة السومة في آخر لحظات المباراة لتخطى السوريون المباراة وقابلوا منتخب الهندوراس الذي لم يكن ليقف حجر عثرة أمامهم.

أحسب أن إنجاز التأهل للمونديال الروسي لو تحقق كان سيخلده التاريخ الكروي في ظل الوضع المأساوي الذي تعيشه سوريا منذ بضع سنوات.. حتى أن الفريق لم يلعب كنظيريه العراقي واليمني في دول عربية، بل كان يخوض مبارياته في ماليزيا.

في ظل هذه الصعاب كان تحقيق حلم التأهل السوري إلى المونديال الروسي سيعد إعجازًا لا إنجازًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد