“الإرهاب”

كلمة تتردد كثيرًا منذ زمـان، ومؤخرا: رفعت أنـاسًا إلى سدة الحكم، وخفضت آخرين إلى قوائم المطاردين، كلمة باتت تشكل جزءًا من الوعي، وجزءًا من الإدراك. كلمة باتت تشكل جزءًا من الثقافة.
فما معنى الإرهاب أصلا؟ كيف تشكل هذا المصطلح؟ ولماذا؟

عند بحثنا عن أصل المصطلح، نجد أنه كان أولا المصطلح الإنجليزي Terrorism ، وهذا المصطلح الإنجليزي نفسه لم يكن موجودًا في قاموس الدنيا قبل نهايات القرن الثامن عشر، قبل الثورة الفرنسية ( 1789 – 1799 ).

في نهايات الثورة الفرنسية، تولى اليعاقبة الحكم ومارسوا الإعدام الجماعي في البلاد ضد المعارضين، أو بوصفهم “أعداء الثورة” حينها.

في الفترة ما بين الخامس من أغسطس سنة ألف وسبعمائة وثلاثة وتسعين إلى الثامن والعشرين من يوليو سنة ألف وسبعمائة وأربعة وتسعين تم إعدام ما يقرب من أربعين ألف شخص داخل فرنسـا،

فسمي هذا العهد بالفرنسية ببساطة la terreur ، مشتقة – لأول مرة – من الكلمة اللاتينية أصلا terreō، والتي تعني : أخوِّف أو أروِّع، ثم تمت ترجمة الكلمة الفرنسية بعد ذلك للإنجليزية لتكون The Terror أو The Reign of Terror، ومن هنا يبدأ أصل الكلمة في قاموس اللغة الإنجليزية.

وبالرغم من أن هذا العهد قد انتهى بإعدام رموز اليعاقبة أنفسهم، فانتهى داعي تخليق هذا المصطلح، وبالتالي أصبح المصطلح بلا مدلول، بقي المصطلح عبر التاريخ ولم يمت.
ولا ندرك بالضبط متى ترجم المصطلح إلى العربية، ولكن يبدو أن ذلك كان في خلال القرن التاسع عشر؛ حيث لم تتم إضافة مدلول المصطلح إلى مادة (رهـ ب) في أي من المعاجم التراثية، وقد ظهر ربما بداية من المعجم المنجد الذي وضعه الأب الراهب لويس معلوف قبيل 1908.

والكلمة العربية – لغويًا – ليست بجديدة أو غريبة فكلمة “الإرهاب” وردت في تاج العروس بمعنى: “الإزعاج أو الإخافة” وورد في غيره أنها “تشتق من الفعل المزيد (أرهب)؛ ويقال أرهب فلانا: أي خوَّفه وفزَّعه،

وهو المعنى نفسه الذي يدل عليه الفعل المضعف (رَهّبَ)، أما الفعل المجرد من المادة نفسها وهو (رَهِبَ)، يَرْهبُ رَهْبَةً ورَهْبًا ورَهَبًا فيعني خاف، فيقال: رَهِبَ الشيء رهباً ورهبة أي خافه.

والرهبة: الخوف والفزع…”، وقد يشار إلى أن مادة الكلمة كان لها ظهور مختلف في القرآن الكريم بأشكالها المختلفة: (يَرْهَبُون – فارْهَبُون – تُرهِبُون – اسْتَرْهَبُوهم – رَهَبًا – رَهْبةً) لتدل على معنى الخوف الممزوج بالحب والرجاء والخشوع، وهو معنى سام تمام السمو.

ورجوعا إلى المصطلح أصلا، فقد تأرجح مدلوله – بوصفه مصطلحا فاقدا لمعناه الأصلي – عبر التاريخ وتقلب تقلبات عدة؛ فمن مدلوله على العنف الذي تمارسه الحكومة المتطرفة إلى العنف الذي تمارسه الحركات الثورية المختلفة ضد الحكومات ثم رجوعًا إلى عنف الحكام الدكتاتوريين ضد المواطنين،

ثم تأرجح ليصل إلى أرض الحركات التحريرية المناهضة للاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية في أنحاء العالم المختلفة – بما فيها الحركات التحريرية الفلسطينية ضد الاستعمار الإسرائيلي،

ثم بدأ المصطلح يسحب ويغمس في السواد ليصير مصطلحا مدلوله الشر البحت، ومن هنا بدأت أصابع الاتهام بالشر تتوجه إلى الحركات التحريرية المناهضة للاستعمار.

أما الآن، فلو أردنا قصد تعريف محدد لهذا المصطلح – الإرهاب – لما استطعنا قطعا؛ لأنه ببساطة لا يوجد تعريف محدد؛ فحتى داخل الولايات المتحدة، نجد للـ CIA تعريفا يختلف عن تعريف وزارة الدفاع، وهما يختلفان عن تعريف الـ FBI مثلا، ثم نجد التعريف قد اتسع أكثر في تعريف مثل تعريف مجلس وزراء الداخلية العرب، أو تعريف القانون المصري نفسه. ونتيجة لذلك قد حاول أساتذة باحثون إيجاد تعريف يشمل عناصر واضحة ومحددة لهذا المصطلح، وعلى الرغم من الجهود المبذولة لم يتم الوصول إلى المقصود.

وعلى أي حال، فبقصد البساطة والوضوح، ربما كان بإمكاننا تعريف الإرهاب كما هو في وعينا بأنه جريـمة ذات خلفية أيديولوجية، ولتكن أيا ما تكون: دينا أو فلسفة أو رأيـا سياسيا. فبالنظر يبدو أن ثمة طريقة للتعامل مع الأمر بعناصره البسيطة. فالأيديولوجيات المتطرفة العدائية أيا كانت لا يمكن مواجهتها إلا بأيديولوجية أخرى. بالفكر، بالثقافة والعلم والمعرفة، وقد يكون لذلك حديث يطول تفصيله. أما الجريمة، ونقصد هنا الفعل الإجرامي نفسه، فبالإمكان التعامل معه كجريمة كأي جريمة لا أكثر. ويبدو أننا لسنا في حاجة ماسة لاستخدام ذلك المصطلح الشنيع المرعب: الإرهاب.

ومجددا نعود للسؤال: لماذا قد بقي هذا المصطلح الفاقد لمعناه منذ زمان أصلا؟ لماذا نصر على استخدامه؟ أو بعبارة أكثر تفصيلا: لماذا يصر السياسيون على استخدامه؟

يبدو لنا – فيما يبدو – أن المصطلح واسع فضفاض بشكل مغرٍ، وهو فضفاض هنا بمعنى أنه مؤجج للمشاعر أكثر منه موصل لمعنى حقيقي محدد يمكن التعامل معه، وهو لذلك – في رأينا – مصطلح مثالي استخدامه في خطــابات العامة، وخصوصا في الخطابات السياسية للعامة.

إن هذا المصطلح لطالما رميت بنا – مسلمين وعربًا – عباءته، وللحق: لطالما كنا بارعين في التلبس به أنفسنا، فتبنيناه، بل وطورناه ووسعناه.

وعلى كل حال: ليس مهمًا – في الحقيقة – أن نتفق على أن المصطلح لا دلالة له، وأنه يستخدم لأغراض سياسية وما إلى آخره، وليس لهذا كتبت هذا المقال أصلا، وما كان مقصدي إلا محاولة حث فكري وفكرك – عزيزي القارئ – على البحث والمعرفة والاستقصاء والتحليل، ومن ثم النقد؛ لأنه – كما يبدو – ثمة الكثير من المصطلحات الشائعة في حياتنا ليست كلها ذات معنى حقيقي، ولربما كان بعضها بلا معنى أصلا، لا شيء غير الفكر – التفكير النقدي المستمر – قد يصلح لمواجهة التلاعب بالعقول وتوجيهها. الفكر وحده هو دليل اليقظة. الفكر هو من سبل الفهم، وحين يكون الفهم تكون المسئولية. مسئولية التبصرة. مسئولية نشر النور. مسئولية نشر العلم والثقافة والعلم المعرفة. إيقاظ الفكر، وبث الوعي. مسئولية الإحيــاء. لعله يكون الأمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد