بعض ما جادت به الذاكرة

كنت عائدًا من دفن أحد أقاربي، بعد غربة طالت عن الوطن ليعود جسدًا يوارى في التراب، وكانت أصداء الدعوة إلى مظاهرات 25 يناير (كانون الثاني) قد استطارت في أنحاء البلاد، وسألني بعض العائدين معي في السيارة عن احتمالات ما قد تصل إليه هذه المظاهرات، وعلاقتها بتونس؛ فأجبت: إن التغير ممكن إذا استجاب عدد كبير وصمدنا بضعة أيام.

خرجنا يوم 25 يناير، نريد أن نعبر عن رفضنا السجن الكبير الذي وضعنا فيه أنفسنا، عن رفضنا إهدار كرامتنا وتشويه إنسانيتنا، لم نخرج لنتسلى، لكن خروجنا أيضًا كان تسلية لأنفسنا التي ملت الخوف واليأس، ولأرواحنا التي كادت تزهق من العيش في الذل والهوان.

خرجنا غيرة من تونس وغبطة لثورتها التي جاءت بالربيع بعد عقود من الشتاء الجليدي القارس، خرجنا نحلم بالتغيير، نحلم بالثورة.

خرجنا لعل الله يطلع على ما في قلوبنا فيرى فيها خيرًا؛ فيغير ما بنا من ذلة، ويرفع عنا الغمة، ويزيح الطغيان، خرجنا ونحن نعلم في قرارة نفوسنا أن الأمر ما زال بعيدًا.

خرجنا مثل طيور بكرت فجرًا، من أجل اصطياد حرية تتلهف عليها الروح، وتهديها السماء للمستحقين. خرجنا نبحث عن معنى لحياتنا، وإيجاد معنى جديد للحياة.

خرجنا من أجل إصلاح أمتنا ..التي طال عليها ليل الطغيان

هل يثور باقي المصريين معنا؟ هل يمتلأ الميدان ويصمد الثوار وتنطلق الثورة؟ أسئلة كثيرة توالت على أذهاننا من لحظة صمود تونس وهروب المستبد التونسي إلى مأوى المستبدين، ساعتها لم نتمالك أنفسنا، انهالت الرسائل «عقبال مصر» متى إذن ينتقل العرس التونسي إلى أم الدنيا؟

سهراتنا الليلية لتحليل ما حدث في تونس، أعادت إلي محاولاتي المضنية لفهم واقعنا المعقد، ولماذا استمر ليل مبارك البهيم كل هذه السنوات الطوال؟ متي تتحقق المعجزة ويخرج المصريون إلى الميدان ولا يعودون إلا وقد سقط النظام؟

لماذا نحن دون العالمين لا نثور؟

هكذا كنت أفكر وأبحث، لماذا لا تكتمل ثورتنا؟ لماذا أنفاسنا قصيرة؟ لماذا تفشل حركات التغيير عندنا وتزهر عند الآخرين؟ هل كتب علينا أن نضرب أعوامًا في التيه، وكأن علينا قد خطت أقدار أن نظل أسرى الاستبداد والفساد؟ هل يعقل أن يرثنا شخص متواضع القدرات جاءنا من حيث لا ندري؟

لماذا نحن؟ لماذا بلداننا، من دون خلق الله، هي التي تغيب عنها الديمقراطية أو الديمقراطيون؟

لماذا بلادي وحدها تجري بها انتخابات دون ناخبين؟

عندما هاتفني عبد الرحمن- وهو شاب في العشرينات من عمره، يدرس الطب في جامعة بني سويف، نناضل معًا منذ سنين لنحصل على رخصة حزب الوسط-: هل ستنزل يوم 25 يناير؟

بالطبع نعم لا توجد سوى إجابة واحدة؟

عبد الرحمن: مطالبنا يجب أن تكون واضحة يجب أن يعرفوا أننا أحياء

عماد: يجب أن تتغير قواعد اللعبة على الأقل نحدث ثغرة في الجدار المسدود، هكذا اتفقنا.

لم أكن أعرف أن مواعيد امتحانات دبلوم حقوق الإنسان ستحول دون نزولي يوم 25، ولم أكن أعلم أيضًا أني سأؤجل امتحانات الماجستير في لبنان؛ لأن الحلم تحقق وقامت الثورة.

المهم صادف أن يكون آخر أيام امتحانات الدبلوم يوم 26 يناير، فكان من الصعب علي أن أشارك في أول أيام المظاهرات.

دبلوم المجتمع المدني وحقوق الإنسان؟ ما هذه المصادفات الغريبة، ندرس تجارب التحول الديمقراطي في العالم، وأحاول أن افهم لماذا نحن وحدنا الذين لا تنطبق علينا قوانين التغيير الديمقراطي؟ ولماذا نحن وحدنا لا تهب علينا نسائم الحرية؟ ثم تأتي الدعوة إلى المظاهرات فتمنعني الامتحانات والتزامي أمام نفسي وأمام أسرتي أن أبدأ من جديد.

ما العمل؟

عبد الرحمن يعاود الاتصال للتأكيد على النزول وأين ينتظرني؟

للأسف لن أكون معكم يوم 25 سألحق بكم يوم 26 بعد انتهاء الامتحان مباشرة في الوقفة أمام جامعة القاهرة، لا بأس، هكذا ردد عبد الرحمن ودعوت له بالتوفيق.

لم أنم ليلة 25، ولم أذاكر أيضًا، ظللت ساهرًا آملًا متسائلًا عن إمكانية نجاح المظاهرات، ومدى التغير الممكن حدوثه، لكن الأمر الأكيد أن تحول المظاهرات إلى ثورة لم يكن سوى أمنية أتمنى أن تتحقق، لهذا حاولت إقناع نفسي أن تأخر يوم ليس أمرًا سيئًا للغاية، غدًا نلحق بالمظاهرات، ثم نعود إلى بيوتنا كالعادة، لكن الأمل كان كبيرًا في كرمه.

يوم 25 يناير

ظللت أبحث طوال اليوم عن آخر الأخبار، اتصلت بحازم ابن أختي، تابعت كل القنوات الفضائية، الأمور تبشر بالخير، شيء غريب يحدث، تشويش على قناة الجزيرة، التليفزيون المصري يحاول إخفاء الحقيقة، هناك إحساس غريب يراودني ربما ننجح هذه المرة.

سألني حلمي ابن عمي هل تنجح المظاهرات؟ إذا صمدنا الليلة ربما نجحنا، هكذا أجبت، كأني معهم في الميدان!

التشويش يزداد على قناة الجزيرة، أحاول الاتصال بعبد الرحمن أو حازم لا أحد يرد يزداد توتري، هل أنزل إلى التحرير، هي خطوات قليلة من المنيل إلى التحرير وماذا عن الامتحان، اصبر إلى الغد وشارك في وقفة جامعة القاهرة.

لا أعرف ماذا أفعل؟ لا أنا ذاكرت ولا أنا شاركت في المظاهرات، ما العمل؟

حاولت النوم قليلًا، لم أفلح، حاولت الاتصال بعبد الرحمن، لم يرد إلا مع انتصاف الليل، جاءني صوته ضعيفًا واهنًا: فرقت المظاهرات، سلطوا علينا خراطيم المياه، ضربونا.

هل أصبت؟ الحمد لله أنا سليم، ناس كثيرة أصيبت، أين أنت الآن؟ عدت إلى بني سويف.

ماذا عن الغد؟ هل وقفة الجامعة كما هي؟ نعم، إذن إلى الغد بعد الامتحان.

مرت الساعات بطيئة كئيبة قبل دخول الامتحان، سألني زميلي في الدبلوم لماذا أنت حزين؟ نحن لا نستحق الحياة، ما حدث بالأمس شيء مشين، هذا النظام يجب أن يرحل، الأمر لم يعد يحتمل، هكذا أجبت، لكن، لم تكن الثورة في باله، وكانت تملأ علي نفسي، كنا في عالمين مختلفين.

خرجنا من الامتحان، الأمر يزداد غموضًا لا توجد وقفة أمام الجامعة، اتصلت بعبد الرحمن ما الأمر؟ تغير الميعاد لمناورة الأمن.

ما العمل؟

لا أدري جلست وحيدًا أمام مبنى كلية الاقتصاد، نزفت بعض الدمع، وعدت حزينًا إلى المنيل أحاول متابعة الأمر عبر الفضائيات. في المساء سافرت إلى بني سويف على أمل العودة سريعًا يوم الخميس، بعد عودة زوجتي من زيارة أختها في الهرم، لا بد أن أكون بالمنزل هذه الساعات لرعاية عمتي المسنة التي تنير بيتي.

طلبت من أسماء العودة بسرعة ليلة الخميس، انتهزت فرصة الوجود بالبلد لإلغاء رحلة مركز الشباب إلى القاهرة، لا تجتمع الثورات مع الرحلات. لم تعد أسماء؛ فقد ساءت الظروف ولم تستطع العودة إلا ليلة السبت.

ظللت طيلة الليلتين أتابع ما يجري عبر الفضائيات، كان أملي كبيرًا أن أشارك في جمعة الغضب، لكن رعاية عمتي مع غياب أسماء في هذه الظروف لم يسمح لي. هل أترك عمتي وأسافر؟ لم أفلح في اتخاذ قرار، بقيت بجوار عمتي ودعوت للثورة والثوار.

صليت الجمعة، وحاولت تصفح الإنترنت، الشبكة ساقطة، انقطع الإنترنت والاتصالات، فرحت وحزنت؛ فرحت لأن النظام بدأ يخاف ويرتعش، إنها النهاية إذن، ربما؟ وحزنت لأني فقدت المتابعة، ولم أستطع المشاركة.

مرت ساعات النهار مملة رتيبة، في المساء خرجت إلى مقهى قريب مع بعض أصدقائي أكدت أسماء أنها في الطريق إلى البلد، فرحت ليس لعودتها فقط، فلم نعتد أن نخاف لا أنا ولا هي، نسلم أمورنا لله،. فرحي كان لعودتي إلى القاهرة والمشاركة في الثورة التي حلمت بها طوال عمري.

بعد انتهاء متابعتنا للفضائيات على المقهى، توجهنا إلى محطة القطار لحجز تذكرة في أول قطار يغادر إلى القاهرة، لا توجد تذاكر، ونصيحة من الموظف بعدم السفر هذه الأيام.

عدت حزينًا إلى المنزل. وصلت أسماء. أويت إلى الفراش على أمل الاستيقاظ مع الفجر للسفر إلى القاهرة. لم أهنأ بالنوم، فوجئت بأسماء توقظني وتقول إن هناك جلبة كبيرة خارج المنزل.

ماذا حدث؟

بعض البلطجية والحرامية والسجناء الهاربين يهاجمون القرية.

آه نسيت أن أقول لكم إن الساعة التاسعة من مساء ليلة السبت هذه، جاءنا تليفون أثناء وجودنا بالمقهى، يفيد بفتح سجن الفيوم بالقوة وخروج المساجين، إذن فقد فعلها النظام، يريدون الفوضى لإخماد الثورة.

خرجت مسرعًا لاستطلاع الأمر بالخارج، حاولت التهدئة مع آخرين، ونظمنا أنفسنا في مجموعات لحماية القرية، جلست أمام المنزل مع بعض الجيران، حاولت أن اشرح لهم ما استطعت، أن ما يحدث فوضى مدبرة لإفشال الثورة، وأكدت على ضرورة رحيل الديكتاتور الفاسد، ظللنا نتبادل الأحاديث حتى مطلع الفجر، فذهبنا إلى الصلاة في المسجد القريب.

انصرفت مسرعًا بعد انقضاء الصلاة لتجهيز نفسي للسفر، قابلت أحد أقاربي وأحد شباب الإخوان يتجادلون حول الأحداث ويتبادلون الاتهامات. أنهيت الأمر سريعًا بينهما، ودخلت مسرعًا لتغيير ملابسي والاستعداد للسفر. كانت أسماء قد انتهت من الصلاة، أسرعت بارتداء ملابسي وجلست بجوارها لأودعها هي، ومحمد ولدي الأكبر.

  • انتظر بعض الوقت.
  • الأمر لا يحتمل أنا ذاهب إلى التحرير.
  • هل هي فعلًا ثورة؟
  • نعم ولن أعود إلا بالحرية أو الشهادة.
  • دعت لي بالتوفيق ولمصر بالنصر.

مرت الساعات من الخامسة والنصف إلى السابعة والنصف طويلة مملة، لا يوجد إلا بضعة أفراد على المحطة، معظمهم من موظفي المحطة.

أخيرًا جاء القطار ركبته مسرعًا، الكراسي فارغة، عدد قليل من الركاب.

جلس إلى جواري أحد الذين ركبوا معي، لماذا تسافر في هذه الأجواء؟

لم استرح إلى سؤاله ولا إلى تطفله ولا إلى منظره، تظاهرت بالحزن والضيق على حال البلد، وما يفعله بعض المصريين بالبلاد، ثم حكيت له كاذبًا أن أمي المسنة في المستشفى، ولا بد أن أكون بجانبها-أمي توفيت منذ عام- وحاولت التخلص منه بسرعة ونجحت، وانكببت على قراءة الجرائد طوال الطريق.

أخيرًا وصلنا، خرجت من المحطة بسرعة. الشوارع هادئة. ركبت تاكسي إلى المنيل. في المقهى، تناولت إفطاري وشربت شايًا وقهوة، جاءني صوت حازم:

– أين أنت يا خال؟

– أنا في المنيل.

– ماذا ستفعل؟

– أنا متوجه إلى التحرير.

– انتظرني سأكون معك.

مع أذان الظهر كنا في التحرير، سألني حازم: ما الخطوة القادمة؟

يرحل هو أو نموت، لا يوجد حل ثالث، هكذا أجبت.

في الميدان اختلف كل شيء، تحققت الأمنية، لقد تغير الميدان الذي أتردد عليه من أكثر منذ 20 عامًا، ميدان الثقافة صار ميدانًا للثورة. كانت هناك مجموعات من المتظاهرين تهتف بسقوط النظام، اندسست بينهم، سبقتني دموع الفرح وارتفع صوتي عاليًا بالهتاف.

أخيرًا وجدت نفسي. تحقق حلمي. لقد صارت لنا ثورة. إننا نثور. راقني الأمر جدًا. لقد استعدت ثقتي بنفسي وبوطني وبأهلي.

انهالت التليفونات بمجرد أن علم إخوتي وأقاربي بوجودي في الميدان؟ لماذا؟ ماذا عن أولادك الصغار وزوجتك وعمتك المسنة؟ ماذا عن مستقبلك. مستقبلنا نحن أسرتك؟ أنت تعرض الجميع للخطر؟ قضي الأمر، لا عودة إلا باسترداد الحرية والكرامة. رضخ بعضهم خائفًا وغاضبًا من تداعيات الموقف على مصالحهم إذا فشلت الثورة، وتفهم الأقلون الأمر ودعوا لي ولمصر بالنصر.

مع مرور الأيام، انتقل تفهم القلة إلى تقدير وعمل ومشاركة في الثورة، عبر إمدادنا باحتياجاتنا من الطعام والشراب والملابس والأخبار. أما أصحاب المصالح فلم يعاودوا الاتصال؛ فأراحوا واستراحوا.

تصاعدت مطالبنا مع مرور الوقت، وطالت أحاديثنا طوال النهار والليل. وتزايدت صلواتنا وتظاهراتنا.

في الميدان تصادقنا، شاب إخواني من قريتنا، وشاب من أسيوط له حكاية غريبة، طفل من أطفال الشوارع وعامل قاهري. كلنا كنا أصدقاء لشجرة من أجمل أشجار الدنيا. احتضنتنا طوال مدة حياتنا في الميدان، انضم إلينا كثيرون، يروحون ويجيئون.

لكننا ظللنا معًا في حضن هذه الشجرة حتى سقط الديكتاتور. تقاسمنا الحلم والبرد والأكل والرجاء واليأس والهتاف. اقتسمنا ذلك كله معًا، مع هذه الشجرة الحبيبة.

لم يعد لدينا شك أن ثورتنا قامت ولن تنتهي إلا بالنصر أو الشهادة، وأصبح الحلم المستحيل واقعًا نصنعه كل لحظة في الميدان.

الديكتاتور يتراجع والأمن يسقط والأشياء كلها تغيرت، صار كل شيء معنا، السماء أعلنت انحيازها لنا. رسائلها اليومية أكدت ذلك، في صلاة الفجر وعبر قطرات المطر، الأسفلت صار مرسمًا، الجدران امتلأت بمطالبنا، الأشجار احتضنتنا وظللتنا.

الثلاثاء الأسود

يوم الثلاثاء الأسود، الذي سبق موقعة الجهل والحماقة الشهيرة بموقعة الجمل، كان يومًا عصيبًا، وأصعب منه ليلة الأربعاء التي ألقى فيها الديكتاتور خطبته الخادعة، جاء حديث الديكتاتور باردًا ثقيلًا، لم أكن أود رؤيته أو الاستماع إليه، رضخت لرغبة الشباب وشاهدت الخطاب.

مر وقت طويل حتى ظهر رب الاستبداد، كئيبًا بطلعته، غبيًا كعادته، ماكرًا مراوغًا جبانًا كما عهدناه، خطاب فاشل لممثل لا يحمل أي موهبة.

وحدث ما توقعته، حاول أن يستدر عطف الناس وعطف الميدان. هل نجح؟ ربما

ما رأيك يا أستاذ عماد؟

انتظروا الأسوأ إذن هكذا قلت.

لماذا؟

ألا ترون نظراته الغادرة؟ غدًا ستكون هنا مذبحة.

تمنيت في نفسي أن تنتهي المهزلة، وأن يسفر عن كامل وجهه القبيح حتى تتكشف الحقيقة للشعب كله،. وإن كان في ذلك استشهادنا أو اعتقالنا. المهم، غادر كثير من الشباب الميدان ليلًا، وبقيت المجموعة نفسها منتظرين ما يحمله لنا الصباح، من هدايا الدكتاتور الهمجية.

بعد انتهاء خطاب الديكتاتور بدأت الاتصالات تتوالى، كان أهمها من أخواتي البنات وحازم، لا بد أن تعود الليلة إلى المنيل هناك أخبار مؤكدة أن غدًا سيكون داميًا.

– أعلم ذلك.

– من أخبرك؟

– غباء الديكتاتور وطول عهدنا به، لا يحتاج الأمر إلى كثير ذكاء لمعرفة الخطوة التالية، خالي أرجوك عد الليلة وعاود النزول بعدها.

– الأمر لم يعد يحتمل يا حازم، التحرير أو الشهادة، حتى الاعتقال غير ممكن.

– خللي بالك من نفسك، ربنا معاكم، عاوز حاجة؟

– لو مت نفذوا وصيتي تمامًا، وواصلوا مشروعي لبلادي، ادعوا لنا، ادعوا لمصر.

في الصباح بدأت تباشير المعركة، ضباط ومخبرون في زي مدني.

آه نسيت، في هذه الليلة نشط أبناء الديكتاتور طوال الليل لإقناعنا بالانصراف وإعطاء الديكتاتور فرصة أخيرة، ربما كانوا صادقين، في أنها فرصته وفرصتهم الأخيرة للقضاء على الأمل في بلادي.

استقر الأمر بمجموعتنا طوال النهار في الصينية الوسطي بالميدان، مع تبادل الأدوار مع غيرنا من أبناء الميدان في الحراسة أو المدافعة عن مداخل الميدان حسب الحاجة إلينا، مع وجود بعضنا في الصينية لحراسة بعض النساء والأطفال الذين كانوا بالميدان.

كان من حظ شجرتنا الحبيبة أن احتضنت سيدة شابة مع ولديها الصغيرين طيلة اليوم، وتناوبنا على حراستهم طوال اليوم، أمسكنا بعض البلطجية وسلمناهم لحرس الميدان.

وعندما جاء الليل واشتد الضرب، وجدت نفسي في الصفوف الأولى، مع أبطال الميدان نحضر الحجارة وندق على أعمدة الكهرباء لنرهب المعتدين ونضرب بالحجارة.

لم أكن يومًا شجاعًا هكذا، أكره العنف وأخاف صوت الرصاص.

كانت ليلة لا تنسى، رجال، نساء، شباب، بنات، كبار، صغار، الكل يقاوم. بكيت كثيرًا في هذه الليلة، ودعوت الله كثيرًا، إخواننا يقتلوننا، ما الذي يحدث؟

السماء تمطر، إنها معنا، النصر يقترب.

مع بزوغ الفجر سقط منا شهداء كثيرون، وجرحى أكثر، حملت أحد الشهداء بين يدي، لم أصب بإصابات كثيرة، مشكلة في ظهري، لا بأس، المهم أن يسقط الديكتاتور.

مع اقتراب الفجر، هرب أنصار الديكتاتور، ما زلنا أحياء، اقترب النصر.

مع الساعة العاشرة صباحًا هدأت الأمور.

حاولت العودة سريعًا إلى حضن شجرتي الصديقة لأستريح، كنت متعبًا. قطعت الطريق من عبد المنعم رياض إلى شجرتي بصعوبة، ظهري يؤلمني وأحتاج إلى النوم بشدة.

أنتم أبطال، أبطال.

إنه أحد المصريين احتضنني، رجل مسن، جاء مسرعًا إلى الميدان ليطمئن علينا بعدما رآه من مهازل ليلة الأمس، شكرت الرجل ورجوته أن يتركني لأنام لأني متعب ولا أقوى على الوقوف، قبلني، ودعا لنا بالنصر، احتضنتني الشجرة ونمت كما لم أنم منذ زمن.

بعد موقعة الجمل، مالت الكفة لصالحنا، واستمر تقدمنا حتى سقط الديكتاتور. لكن الثورة مستمرة لأن النظام لم يسقط بعد.

لم أتحدث عن مطالبنا في الميدان، ولا عن المستشفى الميداني، ولا نوبات الحراسة، ولا ما تعرضنا له من الإهانات من بعض إخواننا المواطنين، ولا إرهاب البلطجية لنا، ولا منع الطعام عنا، ولا عن سهراتنا وحكاياتنا، ولا عن أهالينا الكرام الذين ساعدونا طيلة فترة ثورتنا، ولا عن أشياء كثيرة حدثت أثناء الستة عشر يومًا التي عشتها في التحرير، ولا عن لحظة سقوط الديكتاتور وكيف جرينا في الميدان كالمجانين، من الفرحة.

ربما يأتي يوم تنتصر فيه ثورتنا تمامًا ونحقق حريتنا وكرامتنا. أظن ساعتها أن ذاكرتي ستصحو لتحكي تفاصيل كل شيء، يوم اكتمال ثورتنا.

كتبت هذه الشهادة في يوم 29 فبراير (شباط) 2012 الساعة الثالثة فجرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد