الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

في مارس 2016 ظهرت مجموعة مكونة من 52 عضوًا وعضوة ليقدموا مبادرة أُطلق عليها (مبادرة السلام والإصلاح)، تواصلت المجموعة مع عدة أحزاب وجماعات سياسية بخصوص المبادرة ولقيت ترحيبًا من العديد منها، على النقيض من ذلك تجاهل عمر البشير رئيس الجمهورية المبادرة ولم يوافق حتى على مقابلة أي ممثل للمجموعة كما رفض حزب المؤتمر الوطني المبادرة شكلًا ومضمونًا، عادت المجموعة مع قيام حراك 19 ديسمبر (كانون الأول) بالمبادرة إلى المشهد في سياق إعلانها عن دعمها للحراك الثوري في الشارع وتأييدها لمطالب الشعب وذلك في بيان أعلنته يوم 30 ديسمبر.

المجموعة تتكون من شخصيات مستقلة أو بدون انتماء حزبي معظمهم سياسيون وأكاديميون منهم من تولى مناصب كبيرة من قبل، يتصدرهم السيد الجزولي دفع الله وهو رجل ذو توجه إسلامي وكان رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية بعد انتفاضة 1985 التي أطاحت بجعفر نميري من الحكم، المبادرة كما ذكر المحامي نبيل أديب أحد أعضاء المجموعة في حوار له مع صحيفة «آخر لحظة» السودانية من أجل تحقيق مخرج آمن للأزمة السياسية في السودان، وبحسب ما ذكر السيد الجزولي دفع الله في حوار له مع صحيفة «الانتباهة» السودانية فإن المبادرة تهدف لتشكيل حكومة انتقالية من أصحاب الكفاءات فقط مع خلوها من كل الأحزاب السياسية، تعمل هذه الحكومة لمدة أربع سنوات هي بحسب تقديره مناسبة لإصلاح الحياة السياسية التي أصابتها الفرقة والشتات.

عضو المجموعة فتح العليم عبد الحي في حواره مع صحيفة «السوداني» قال إن صيغة المبادرة تختلف عن صيغة مبادرة 2016 كون أن الصيغة الأولى إصلاحية والثانية تتحدث عما أسماه  انتقال كامل وجوهري» ومجلس سيادة بالإضافة إلى حكومة الكفاءات، سعت المجموعة بطبيعة الحال إلى التواصل مع الأحزاب والجماعات الأخرى، وقد ذكر المحامي نبيل أديب أنهم تواصلوا مع السيد الصادق المهدي بخصوص المبادرة ووافق عليها هذا الأخير.

أعلن تجمع المهنيين السودانيين على حسابه أن الدكتور الطيب زين العابدين أحد أعضاء المبادرة سعى إلى التواصل معهم وهذا ما أكّده فتح العليم عبد الحي بقوله إن الدكتور زين العابدين اتصل بهم ولم يصلهم أي رد من التجمع بعد، الملفت للنظر أن السيد الجزولي دفع الله أنكر أي تواصل مع التجمع وقال إن المبادرة ليست موجهة إلى تجمع المهنيين وإنما موجهة إلى الشعب السوداني، كما قال أن هناك مهندسًا حضر إليهم وخاطب المجموعة وقال إنه ممثل لتجمع المهنيين، وعلى ما يبدو أن هذا وغيره هم الذين قال عنهم نبيل أديب أنهم مع المبادرة ولكن وعلى أساس الصفة الشخصية لكل واحد منتمٍ إلى التجمع.

من ناحيته أصدرت القوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير والتي أبرزها تجمع المهنيين السودانيين بيانًا لم تصرّح فيه برفض المبادرة ولكن على ما يبدو هو نوع من التأكيد على التمسك بإعلان الحرية والتغيير والعمل على الأرض وفق ما جاء فيه، وفي إطار محتوى الإعلان فقط والذي حرصت فيه على مخاطبة تطلعات الشارع وسائر القوى السياسية ترحب القوى بكل المبادرات والجهود الساعية لإسقاط النظام ووضع البلاد على مسار انتقالي يصفي دولة الفساد والاستبداد ويؤسس لانتقال ديمقراطي شامل وحقيقي على حد قولها.

عمليًا لا يمكن تأطير هذه المبادرة بحيث نقول عنها إنها تلبي رغبات الشارع أو تتوافق معها كما لا أرى أنه يمكن أن نقول إنها محاولة لسرقة الثورة إذ أن هذا إتهام خطير يحتاج إلى أكثر من تكهنات أو وقائع يمكن الإجابة عنها بأكثر من تفسير، مجموعة الـ 52 تحرص على تجنب الخطاب المصادم للنظام وهذا يمكن تبينه فيما صرح به نبيل أديب عن (وسطية) موقف المجموعة إذ قال إن التجمع ليس لديه خطاب سياسي وإنما لديه مطلب رحيل النظام والنظام لديه فقط الرد بالوسيلة الأمنية وبالتالي هم خرجوا للحديث مع الجانبين كطرف محايد، وفتح العليم يقول أنه لا أحد يتحدث عن تسوية مع النظام بل «انتقال كامل للنظام» وبعدها انتخابات.

هذا بطبيعة الحال سبب كاف لكيلا يكون هناك أي تعاون بين المجموعة وبين قوى إعلان الحرية والتغيير في المستقبل، إذ ليس من مصلحة القوى اعتماد خطاب كهذا وهي التي اكتسبت تأثيرها في الشارع من خلال الخطاب المصادم للنظام وحلوله الأمنية القمعية، بالنسبة للمجموعة نفسها فتبني خطاب كهذا يطرح التساؤل حول واقعية ما يقولون أو يحسبون أنه توافق مع الحراك الشعبي الذي أحد أبرز نداءاته «تسقط بس» العبارة الحاسمة التي تشير صراحة إلى أن الشعب لا يقبل سوى بسقوط النظام.

كما أن اتخاذ المجموعة لموقف كهذا يشير إلى أن المجموعة ما زالت تأمل في تجاوب من النظام الذي لم يعرها اهتمامًا قبل ثلاث سنوات، فالذي يصنف نفسه على أنه في موقف محايد لا بد بطبيعة الحال أن يسعى لاتخاذ موقف يكسب من خلاله طرفي النزاع من خلاله، ولذلك ما زال السؤال الذي تم طرحه على السيد الجزولي دفع الله وغيره: ما الذي تريده المجموعة من خلال هذه المبادرة؟!

ولن تكفي الإجابة على نحو «أننا نريد الإصلاح وتلبية تطلعات الناس ومصلحة البلد..» لأن هذا ما يقوله الجميع في كل الثورات التي وقعت في التاريخ قبل أن يكتشفوا أن رؤاهم الإصلاحية متباعدة لدرجة إمكانية وقوع الصدام بينهم، وفي حالتنا هذه ربما لم يصل الأمر إلى الصدام بعد ولكن البون شاسع بين توجه الطرفين، فقوى الحرية والتغيير ترى وتعمل وفق حقيقة أن التغيير والإصلاح يمنعه وجود النظام الحالي وهذا ما عبّرت عنه في أكثر من مناسبة منها قولهم في أحد بياناتهم: «قلناها وسنعيدها : لا ديّة إلا إسقاط النظام، ولا فدية إلا إقامة البديل الديمقراطي والمُضيّ في درب الحرية والديمقراطية والتطور والتنمية المستدامة والمساواة بين المواطنين…» أما أصحاب مبادرة السلام والإصلاح فما زالوا يأملون في إحداث التغيير مع تجنب الاصطدام مع النظام وهذا لا يكون إلا إذا كان بنوع من التنسيق مع النظام، ولا يقف الأمر هنا بل يرى السيد الجزولي أن طريقة تجمع المهنيين مبنية فقط على الحماس وفق قوله: السودان بلد كبير ويجب أن يستوعب الجميع وألا يضيق على أحد، نريد العمل الجماعي وليس الحماس فقط.

يرفض السيد الجزولي العمل وفق إعلان الحرية والتغيير الذي وقعت عليه عدة قوى سياسية ويحتج على ذلك بقوله إن هذا من باب تضييق الواسع وأنهم إذا كانوا مثل التجمع فلن يضيفوا لهم شيئًا ولذلك يجب أن يكونوا مختلفين عنهم، من الصعب عليّ الاقتناع برفض التوقيع على الإعلان الذي يخاطب أهدافًا عامة وتصورًا كليًا لمرحلة ما بعد النظام ولكن إذا سلمنا بجواز ذلك فأسباب امتناعه هو والمجموعة عن التوقيع غير مقنعة وربما غير منطقية، فما لم يقصد السيد الجزولي طريقة التجمع وسائر قوى الإعلان المصادمة للنظام بقوله «مثل التجمع» فكل القوى والتي منها حزب المؤتمر السوداني الموقعة على الإعلان ليست مثل التجمع فالحزب قوة سياسية والتجمع تجمع نقابي مهني، ثم من المستغرب أن ينكر السيد الجزولي على التجمع الطريقة الإقصائية وهو (نوعًا ما) يحتكر الحكمة والعقل على نفسه وجماعته وذلك وفق الإجابة على السؤال: ماهي صفتكم؟

«بصفتنا حكماء وعقلاء هذه البلاد…» وقوله «نحن كعقلاء قلنا لا بد من التحرك …».

إذن فالعقل والحكمة بحسب كل ما ورد عن السيد الجزولي يكونان في اتخاذ الموقف المحايد المباين للجميع فلا هو موافق لسلوك النظام الفاشي ولا هو موافق لطريقة الثورة الحماسية.

حالة مجموعة الـ52 تعبر عن الأزمة التي تعاني منها الكثير من النخب السياسية السودانية، وهي الأزمة التي عمّقها النظام الذي كان بشكل مباشر أو غير مباشر سببًا في حالة الانشقاقات التي ضربت أكثر الأحزاب عراقة في تاريخ السودان السياسي وأبرزها حزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة، فالنظام استطاع أن يستميل عدة كوادر من هذه الأحزاب عبر إغرائها بالمناصب والحقائب الوزارية، هذا بالتوازي مع اتباع الحلول القمعية التي يستخدمها مع المعارضة مثل الاعتقالات وغيرها الأمر الذي أثر في إرادة الأحزاب والكوادر السياسية والتعامل مع الأحداث الجارية بواقعية ودفع الكثير منهم للتطبيع مع هيمنة النظام والنظر إلى كل نوع من التمرد عليها ضرب من الحماقة وخفة العقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد