المظاهرات ورفاق النشاط «النضالي» ومجموعات النقاش الواقعية والافتراضية، والميادين والشوارع الرئيسية (ميدان بورقيبة في العاصمة تونس، ميدان التحرير في القاهرة، ساحة البريد في العاصمة الجزائر…) المتأيقنة في الوعي الجمعي الذي غدا هو نفسه وعيًّا ثوريًّا عند الفئات المعنية بالتغيير المأمول والفاعلة فيه، كلّ هذا يرسم صورة الثورات العربية على اختلاف ظروفها التي تعطي لكلّ منها وضعها الخاصّ ومصيرها المتفرّد عن غيرها. القمع والرصاص المطّاطي والنحاسي، والسّجن والترهيب والعنف باختلاف صوره ودرجاته، وقوّات الشرطة والجيش في بعض الحالات، هذا كذلك معجم آخر يرسم لنا تتمّة الصورة لكي لا نرى أبعادًا مجتزأة تجعل المصير اللّاحق الذي رأيناه لمعظم الثورات غير مفهوم، حيث نمنا على هتافات الحرّية و العدالة، والحياة الكريمة، والسلمية لنستيقظ على أصوات الرصاص والهراوات التي تهوي على رؤوس المواطنين، وقرقعة مفاتيح السجون التي ستبتلع – بدون أن تشبع- بقايا إرادات منهكة وتقول: هل من مزيد؟

ولكن ماذا عن كلمة الشباب؟  عن عمد أخّرت هذه الكلمة المحورية في الثورات العربية والتي ينبغي لنا أن نعدها كذلك في تحليلنا لهذه الثورات إذا أردنا أن نظفر بفهم أكثر وضوحًا لمجريات هذه الثورات. لم يكن الاستعمال الشائع والمؤثّر لكلمة الشباب استعمالًا لامباليًا، الغرض منه فقط التعبير عن الفئة العمرية الفاعلة بشكل أكبر في إذكاء روح التمرّد، كان تداول الكلمة مصحوبًا دائمًا بتعبير عن افتخار معلن، وكأنّ بصاحبه يقصد بذلك علامة واستئناسًا بقوانين البيولوجيا على ضرورة انتصار هذه الإرادة (إرادة الشباب) على إرادات متكلّسة في كراسيها، لا تدري ممّا هو مستجدّ على العالم من تغيّر شيئًا. هذا التفريق الخيالي رائج بقوّة بين أغلب المتحمّسين للثورات والمعارضين لها على السواء، حتّى من الشباب أنفسهم، وله ما يبرّره من التجربة التي عايشتها هذه الشعوب طيلة العقود الماضية من استبداد ومن إقصاء لأيّ طاقات جديدة، لكنّ الخروج منه ضروري، خصوصًا أنّه لم يثبت نجاعة وفاعلية  في الخروج من المآزق التي ألقيت عليه بدون سابق إنذار. فجأة بعد إبعاد ممنهج وصارم أصبحنا نواجه أنظمة وحشية ومنغلقة على ذاتها، لا تطلّ علينا إلّا لتقمع أفكارنا، إذن الآن مطلوب منّا وبإلحاح أن ندرك على طبقات متتالية في العمق ما الحدود التي لم نستطع تجاوزها لتحقيق ما كنّا نريد. باستخدامي هنا كلمة حدود فإنّني (كما فعل ذلك كاتب للأسف لا أذكر اسمه ولا أين طالعت هذه الفكرة) أميزها عن النقائص الفردية والأخطاء العرضية، أعني «حدود النموذج الثوري الجديد» الخطّ المرسوم – حتى الآن- لقدرات هذا النمط الثوري غير المعروف من قبل. وهو ناتج عن الظروف المشتركة التي مررنا بها في الفترة السابقة، والتي كانت في مجملها نتيجة قيام النظام العالمي الجديد بعد سقوط الاتّحاد السوفيتي وانتصار ليبرالية الولايات المتّحدة كإيديولوجيا مهيمنة.

يحمل تعبير «ثورات الأجيال الشابّة» دلالة جوهرية على طبيعة هذه الثورات واختلافها الجذري عن أغلب النماذج المستحوذة على هذا المسمّى في وعي النّاس، على اختلاف ثقافاتهم وانتماءاتهم (الثورة الفرنسية، الثورة الأمريكية، الثورة البلشفية، ثورات التحرر الوطنية، الثورة الكوبية، الثورة الإيرانية… إلخ) لا يمكننا استدعاء أيّ من النماذج المذكورة لفهم ثورات القرن الواحد والعشرين، سواء على مستوى الأهداف أو على مستوى الطريقة. لكنّنا لا نريد الآن الخوض في قضية أهداف هذه الثورة؛ لأنّها أقلّ وضوحًا وأكثر إثارة للاختلاف من قضية شكل الفعل الثوري نفسه، ذلك أنّ اختلاف الانتماءات الطبقية والإيديولوجية للمشاركين في هذه الثورات يجعل كلّ طرف إمّا يعتقد أنّ تصوّراته هو وأهدافه هي المعبّر الحقيقي عن آمال الشعب، وإما أنّه يريد بطريقة مغرضة احتكار الحقّ في الحديث بخلق هويّات مركزية وركن أخرى على الهامش، دون تقبّل حقيقي لوجودها بما هي عليه ودون السماح لها بإيجاد أفق احتجاجي تحتمي به.

لا يمكن لأيّ كان أن يقحم نفسه بفجاجة ويدّعي امتلاك هذه الثورات، على الأقلّ من حيث شكلها المادّي. لأنّه لا أحد يملك في تجربته السابقة بذورًا لمثل هذا النمط من الثورة. من خلال معايشتها لأفول جميع النماذج المحلية للمقاومة التي كانت متناسبة مع شكل دولتها المنتهي حضاريًّا والبارع في فشله المتلاحق، كانت هذه الأجيال بعيدة عن أيّ ممارسة سياسية بالمعنى المعتاد أي الانخراط الحزبي وتبنّي إيديولوجية مغلقة.

ليست سمة عدم التنظيم  المشتركة بين هذه الثورات (باستثناء تونس والسودان) هي فقط نتيجة لاتّساع طيفها وعدم ارتكازها على نهج فكري واحد تبني عليه رؤاها، وإلّا لو كان الأمر كذلك فما منعها من تشكيل تنظيمات متعدّدة يربط بينها الاتّصال الظرفي الذي تفرضه ضرورة التوحّد ضدّ الأنظمة الحاكمة؟ في الواقع ظهرت محاولات عديدة للتنظيم، ولكنّها اصطدمت بذاوت متخمة بفردانيتها الرّافضة لأيّ شكل للسلطة التراتبية أو المركزية المقيتة، ولم تفلح حتّى الآن في صياغة طريقة فعّالة بديلة عن سابقاتها ومتأقلمة مع الشروط الثقافية الجديدة. 

تتطلّب الثورة بما هي فعل جماعي قدرًا ما من التماثل بين الفاعلين فيها، في نطاق يتجاوز مجرّد الحركة الموحّدة (مسيرات، اعتصامات، وقفات احتجاجية… إلخ) إلى حدّ من التوافق الفكري المطلوب، على الأقلّ اتّفاق أغلب الفاعلين السياسيين حول الضرورة الملحّة للقطع مع النّظام القائم، والسير في خطوات الانتقال الديمقراطي. يبدو هذا بديهيًّا ولا يحتاج لأيّ تأكيد. أنا أيضًا كنت أعتقد ذلك قبل أن أكتشف أنّ الكثيرين قادهم الانتظار السلبي، وفقدان الحيلة البديلة، مع استثمار أجنحة النظام الإعلامية لهذه النقطة، قادهم ذلك إلى التراجع التدريجي حتّى أصبحوا يرون في النّظام نفسه الذي ثاروا عليه المؤهّل الوحيد لتسيير البلاد إلى أجل غير مسمّى!

امتلاك تنظيمات نقابية أو حزبية قويّة كان عنصرًا حاسمًا في التجربتين الانتقاليتين اللّتين حقّقتا نجاحًا كبيرًا بين التجارب الأخرى، تجربتي تونس والسودان. بالنسبة لتونس كان هناك (الاتّحاد العامّ التّونسي للشّغل، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين). وبالنسبة للسودان لم يكن الانتقال ليصمد لولا «قوى إعلان الحرية والتغيير» المتكوّنة من (تجمّع المهنيين، الجبهة الثورية، تحالف قوى الإجماع الوطني).

لا يخضع القدر الأدنى من الاتّفاق اللّازم إلى معيار مسبق صالح لكلّ حالة. إذ يجب صياغته في كلّ حالة على حدة حسب ظروفها الخاصّة المؤسّسة لفرادتها وأهدافها المبتغاة. قبل كلّ ذلك علينا العمل على إزالة العوامل الموضوعية (ثقافية، اجتماعية، اقتصادية) المانعة لتطوّر قنوات الاتّصال والتشبيك المبني على أساس نضالي مهتمّ بالتّغيير. القنوات أو التنظيمات هي قوّة تفاوضية تسمح لنا بتوسيع الممكن الذي نسعى إليه. بدونها لا أستطيع القول إنّنا لن نحقّق شيئًا يذكر، بالعكس فأنا أؤمن أنّ الشارع هو وسيلة ضغط ضرورية في وجه أنظمة متعنّتة، لكنّه على كلّ حال يبقى كما يسمّيه أحد شباب حركة 6 إبريل هامشًا سياسيًّا علينا المحافظة عليه والدّفاع باستمرار على حقّنا فيه، دون الاقتصار عليه كأفق وحيد للفعل السياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد