أينما وُجِدَ جدار ما، وُجِدَت معه احتمالية انهياره

 

” أردت أن أقدِّر قيمة هذه اللحظة، نظرت للأسفل، خطوت خطوة للأمام، تلتها أخرى…

وفجأة غمرني شعور جارف!

لقد عبرت الخط الأبيض، لقد عبرته! لقد تغلبت على هذا الجدار!” مايك فيرنل

 

ما بين “أنا واحد من أهالي برلين” وبين “سيد جورباتشوف، أزِل هذا الجدار”، خمسة وعشرون عامًا، هل كان تراكم الأحداث فيهم كافيًا ليسقط جدار كجدار برلين بين ليلة وضحاها؟

في البدء كانت الحرب. في البدء كانت الحرب التي تلتها الهزيمة. الجيش الأحمر، الحلفاء، وأميالٌ من الدمار. ما هي الاحتمالات السعيدة لحكاية بدأت بالهزيمة؟

1945

انتحر هتلر، هُزِم النازيون وسقطت ألمانيا، الرأس المدبر لحربٍ ألقت بالعالم في أتونٍ ملتهب من الدمار. لقد آن أوان دفع الثمن. على كلٍ من الأطراف التي خاضت تلك الحرب أن يتأكد أن ألمانيا لن تقود العالم لحرب أخرى، لن يصعد للسلطة نازي آخر هربًا من الهزيمة، إذن: لنقسم ألمانيا بين المحاربين، لقد حصلوا على نصرهم بالدماء كما تعلم.

فبراير 1945

توصل المؤتمر الذي ضم الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، بالإضافة إلى الاتحاد السوفييتي إلى تقسيم ألمانيا إلى أربعة قطاعات بينهم.

أما برلين، عاصمة الرايخ، فلم يكن أحدهم ليتخلى عنها، فقُسِّمَت ألمانيا بينهم، إلا إنه كان يجب تبعًا للاتفاقيات التي توصلت إليها الدول المذكورة آنفا بعد الحرب، أن تغدو مدينة خالية من التواجد العسكري على أن يقوم بإدارتها مجلس قيادة الحلفاء المكون من الأربع دول المذكورة بقيادة متغيرة شهريًّا. لا أحتاج أن أخبرك أن هذا لم يحدث.

في الآونة التي تلت ذلك، اجتمعت القطاعات الواقعة تحت سيطرة الحلفاء لتشكل ما عُرِف بألمانيا الغربية، أما القطاع الشرقي المُسَيطَر عليه من قِبّل السوفييت فقد أمسى ألمانيا الشرقية والتي أعلنت برلين الشرقية عاصمة لها رغم أنف الاتفاقيات.

ستمر أعوام كثيرة بعد ذلك، سيعتاد الألمان الشرقيون الوجود السوفييتي مهما ادّعى قادة ألمانيا الشرقية استقلال إرادتهم السياسية، حتى لو حمل رئيس الدولة اسما ألمانيا قُحَّا مثل: “فيلهلم بييك” أو “فالتر أولبريخت”، سيظل ممثلو الاتحاد السوفيتي يقررون مصائر الألمان الشرقيين.

Untitled

“لكل إنسان الحق في مغادرة أي بلد حتى بلده” المادة الثالثة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

لقد كانت هذه الأعوام هي التي يُصاغ فيها هذا الإعلان حقا، في محاولة بشرية لحماية العالم من حروب محتملة، حتى لو لن يوقف الحربَ إعلانٌ ما، سيظهر شخص أحمق أو بطل بالغ الحماقة ليخسف بكلماته الأرض و يشعل الحرب مرة أخرى.

تبدو مادة منطقية للغاية: من حق كل إنسان أن يغادر البلد التي يتواجد فيها، لكن السوفييت اعترضوا: “سيشجع هذا على الهجرة”.

في 1948 صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكنه لم يمنع السوفييت من فرض قيود أشد على الهجرة والسماح بخروج مواطني البلاد التي تسيطر عليها. لقد دافع المتحدثون الرسميون في أوروبا الشرقية عن تشديد هذه الإجراءات، بقولهم إنها ما وُضِعَت إلا لحماية المهاجرين المحتملين من الصعوبات اللغوية والثقافية التي قد تواجههم، كما أكدوا على مديونية الأفراد للدول التي قامت بتعليمهم ومن ثم يمكن اعتبار قوانين الهجرة وكأنها نوع من الضريبة على التعليم.

الخوف من نزيف العقول في الكتلة الشرقية، وما يترتب عليه من انهيار لدولها، أو إجبارها على رفع الأجور واتباع سياسات مختلفة كانت الهواجس التي أرَّقت السوفييت. لكن إجراءات الهجرة على شِدتها لم تمنع هروب البشر خاصة في برلين والتي ظلت مدينة واحدة على الأرض رغم الحدود التي أقيمت بين القطاع السوفييتي والقطاعات الغربية، وبقيت برلين الواقعة وسط القطاع السوفييتي من ألمانيا هي الملاذ الباقي للهاربين من الكتلة الشرقية بعد غلق كل الحدود الأخرى. رغم تشديد القيود على السفر، هاجر ما يقارب ثلاثة ملايين من ألمانيا الشرقية إلى الغربية في الفترة من 1950 وحتى 1960، و هو ما وازى حوالي 20% من سكان ألمانيا الشرقية.

في 15 يوليو 1961، صرَّح رئيس ألمانيا الشرقية فالتر أولبريخت في مؤتمر صحفي بأنه ما من أحد لديه نية لإقامة جدار، بينما في 12 أغسطس 1961، وقًّع أولبريخت على قرار غلق الحدود وإقامة الجدار.

يمتلك البشر تلك القدرة على تسمية الأشياء بما يخدمهم، الجدار الذي عزل الألمان فعليًّا عن العالم وسلبهم الحق في الحركة كان “الجدار الواقي ضد الفاشية”.

عند منتصف الليل، انتشر العمال والجنود بمحاذاة الحدود لإغلاقها بالأسلاك الشائكة، التي لم تلبث أن تحولت لجدارن أسمنتية في غضون أسابيع.

في صباح الثالث عشر من أغسطس كان هناك أمر جديد: أسلاك شائكة بين نصفي برلين، وستار حديدي يُحكم إغلاقه.

Untitled1

الموت هو نصيب المتسللين ومحاولي التسلل عبر الجدار، عشرون عامًا و بضعة سنوات لم يخرج من ألمانيا الشرقية سوى عدة آلاف. خسر بعض الألمان الشرقيون وظائفهم في الجزء الغربي وفقد البعض الآخر رؤية عائلته. إيدا سايكمان هي أولى قتلى جدار برلين، أغسطس 1961.

أقيم الجدار على أربع مراحل:

1- الأسلاك الشائكة والجدار الخرساني 1961.

2- سياج الأسلاك المُحَسَّن 1962-1965

3- الجدار الخرساني المُحَسَّن 1965-1975.

4- الجدار الحدودي 1975-1989.

المظاهرات التي اندلعت في برلين الشرقية إبان إقامة الجدار، وقادها عمدة البلدة، لم تفلح في الوصول لشيء. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يغير من الأمر شيئًا.

وقوع برلين في منطقة نفوذ الاتحاد السوفييتي زاد من مخاوف السيطرة عليها كاملة من قِبَلِه، ورغم اتفاقيات ما بعد الحرب بين المنتصرين، إلا إن تصاعد الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة أجج أزمات عسكرية بين الكتلتين.

رغم الاعتراضات التي قابلها بناء الجدار إلا إنها هدّأت من مخاوف قيام الاتحاد السوفييتي بالسيطرة على مدينة برلين، لتصبح برلين الشرقية سوفيتية، والغربية تحت سيطرة المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة وقطعة من العالم الرأسمالي في قلب الكتلة الشيوعية، ولتنتهي أزمة برلين التي بدأت في 1958 منذرة بمواجهة عسكرية حين أصر خروتشوف على أن يقوم الغرب بسحب قواته من غرب برلين تمهيدًا لتوحيد المدينة، وتصاعدت حين تكرر الإنذار في 1962 ليقوم كينيدي باستدعاء 150000 من جنود الاحتياط وزيادة مصروفات الدفاع، تأهبًا لصراع محتمل على المدينة.

بحلول 1963 أصبح الجدار قدرًا واقعًا لا مفر منه، حين زار كينيدي غرب برلين مُلقيًا إحدى خطبه التاريخية: “أنا واحد من أهالي برلين”، مؤكدًا على دعم الولايات المتحدة لبرلين الغربية.على مدى عشرين عامًا أخرى سيظل الجدار قائما وكأنه لن يسقط أبدًا.

لكن الزمن ساحر بارع، يراكم الأحداث قليلها وكثيرها، وفي ليلة وضحاها قد يتغير أي شيء.

خريف 1989، أمور جديدة تدور في المجر المجاورة، قامت المجر بفتح حدودها مع النمسا لفترة وجيزة إبان قضاء الألمان الشرقيين لعطلتهم في المجر، فجأة أصبح بإمكانهم المرور من الكتلة الشرقية إلى العالم، لقد فُتِحَت ثغرة في الستار الحديدي.

لم يمر الكثير من الألمان عبر هذه الثغرة، لكن البعض مرَّ. كان هذا كافيًا لإشعال المظاهرات في ألمانيا الشرقية. القيادة في شرق ألمانيا أمِلَت أن يتدخل السوفييت اتباعًا لحلف وارسو، بينما اختارالسوفييت المترنحون الحياد ضد هذه المظاهرات.

مساء التاسع من نوفمبر، وفي إطار الإصلاحات التي حاول جورباتشوف بها إعادة إحياء الحزب الشيوعي، والمظاهرات التي بدأت في التصاعد في ألمانيا الشرقية، اُتخِذ قرار بتخفيف قيود السفر، تم استدعاء جوتنار شابوفسكي المتحدث باسم الحكومة لعقد مؤتمر صحفي، ليعلن ماتم اتخاذه بشأن قيود السفر: “سيكون من حق كل مواطن عبور الحدود بوجود التصريح اللازم”، قرأ الكلام للمرة الأولى أمام الكاميرات. كان القرار سيدخل حيز التنفيذ صباح اليوم التالي، لكنه لم يعلم، لم يخبره أحد بذلك حين مرروا إليه ورقة القرار ليقرأها، لذا حين سُئل “متى؟ “، أجاب ” على الفور .. كما أعتقد”.

هنا تغير كل شئ. انتصاف الليل لم يجلب الهدوء المعتاد، بل حمل معه طوفان من البشر المندفعين نحو جدار سَجَنَهم لعقود من الزمان. الحراس المنوط بهم حماية الجدار، أصحاب رُخَص قتل من يقترب منه، حاولوا الاتصال بقادتهم بحثًا عن أوامر. من يمكنه في ليلة كتلك أن يأخذ على عاتقه إصدار أوامر فتح النار؟ لا أحد!

الجدار بمعناه كان السجن، وحين سقط المعنى، لم تبق إلا أكوام الحجارة وأحلام تطال السماء.

لقد انتهت صلاحية الجدار، وأصبح تاريخًا منذ تلك اللحظة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جدار برلين
عرض التعليقات
تحميل المزيد