تقول الأسطورة إن للموت سيناريو محددًا لا مفر منه، ولا يمكن تغييره أو التحايل عليه،«ولو كُنتُم في بروج مشيدة»، ولكن الواقع وفيما يتعلق بالإنسان بالأساس، فقد ارتفع متوسط عمره إلى أكثر من الضعف، إذ كان قديمًا يتراوح متوسط عمره بين 25 و30 عامًا، أما الآن فصار الإنسان يعيش في المتوسط 70- 80 عامًا، ويرجع ذلك إلى عوامل اجتماعية بالأساس، مثل درجة التقدم العلمي، ومستوى الرفاهية المجتمعي.

 

هناك علاقة جدلية ما بين متوسط عمر الفرد ومستوى التقدم الحضاري داخل المجتمع، وكما أن ديناميات التقدم المجتمعي قائمة علي الجدل والصراع بين عناصر الهدم وعناصر البناء، كذلك فديناميات النشاط الخلوي قائمة على الصراع بين عوامل الهدم والإنزيمات الضارة، وبين عوامل البناء والإنزيمات النافعة على المستوى الخلوي.

إن المجتمع الرأسمالي المعاصر قائم على التفاوت الطبقي والاستثناء، وبالتالي فهو دائمًا باب خلفي لدخول النزعات الفاشية والعنصرية إلى المجتمع مع كل أزمة، ويمكن تشبيه البرجوازية داخله باللاعبين في لعبة الكراسي الموسيقية، التي دائمًا ما تكون بها عدد المقاعد أقل من عدد اللاعبين، كما يمكن تشبيه حياة العامل فيه بالفأر الراكض داخل عجلة «هامستر» محاولًا الفرار، فلا هو سيصل إلى ما يريد، ولا العجلة أيضًا ستتوقف عن الدوران حتى يذوي وينتهي، فيحل محله من يدير العجلة، وهكذا.

 

وبالتالي فمثل هذا المجتمع القائم على كل هذا القدر من المعاناة، تكمن عناصر الهدم داخله في البرجوازية الساعية إلى التعزيز من هذا التفاوت والظلم المجتمعي، والذي يستثني قطاعات ضخمة من البشرية من نواتج العملية الإنتاجية والإبداعية البشرية، ويضع الكل تحت ضغط المنافسة والتهديد بالفناء، بينما تكمن عناصر البناء داخله في كل ما ومن يدعو إلى القضاء على هذا التفاوت الطبقي وهذه الاستثناءات.

 

في حالة سيادة منطق البرجوازية، كما هو حالنا اليوم، تتعزز لدى هذا المجتمع معدلات الهدم؛ مما يولد حالة من الاحتقان المجتمعي والغضب يعجل من شيخوخة المجتمع، وانهيار بنيته، بارتفاع معدلات العنصرية، والميول الفاشية، والجريمة، والأمراض النفسية والعضوية… إلخ.

 

وبالطبع ينعكس كل هذا على مكوناته من البشر؛ فتتعزز لديهم عناصر الهدم والإنزيمات الضاره على المستوى الخلوي، مما يعجل بالشيخوخة الخلوية وانخفاض متوسط عمر الأفراد، وكذلك فإن سيادة هذا الخطاب الطبقي يستثني قطاعات ضخمة من البشرية، ممن كان من الممكن أن يكون لمساهمتهم الضائعة هذه دور كبير في الأبحاث المناهضة للشيخوخة الخلوية، بل ربما النجاة يومًا من نهاية الأرض، أو نهاية هذا الكون.

 

يقول أخيليس إن الآلهة يحسدون البشر على الموت؛ لأن البشر هكذا يستطيعون تقديس قيمة الحياة، وهذه الفكرة عن الخلود نابعة من طبيعة المنظومة المجتمعية الرأسمالية القائمة على فكرة الخلاص الفردي، ووجود آلهة، وبشر، وسادة، وعبيد، فكيف يمكن تقديس قيمة الحياة في المطلق وهناك تفاوت لقيمة هذه الحياة بين الأفراد داخل المجتمع؟!

كما أن فكرة الخلود البرجوازية هذه تبدو قميئة بالفعل؛ إذ إن مثل هذا الخالد سيكون مثل مصاص الدماء أو الزومبي، يستمر في الحياة بينما يرى المجتمع ومن يحبهم من حوله يذهبون.

 

أما لو نظرنا إلى فكرة الخلود لو صارت فكرة مجتمعية، سنجد أن المجتمع بالفعل يسير ببطء نحوها، وذلك بالارتفاع المضطرد في متوسط الأعمار، وكذلك نجد أن ما يعيقه هو التفاوت الطبقي، فمجتمع يرتكز بالأساس على تحسين مستوى معيشة كل أفراده، وتعزيز عوامل البناء المجتمعي على حساب عوامل الهدم والشيخوخة المجتمعية، سيكون قادرًا على تسخير كافة إمكانات هذا المجتمع لخدمة التقدم العلمي دون استثناء أي قطاع من المساهمة في العملية العلمية والإبداعية، أو من الاستمتاع بثمارها، وساعتها فقط ستكون فكرة الخلود ومحاربة الشيخوخة المجتمعية واردة التحقق، كما أن تقديس قيمة الحياة في المطلق ستكون ممكنة، ولن يشعر الفرد بالاغتراب مع تقدمه في العمر، بل إن مثل هذه المجتمع سيكون يومًا قادرًا على التوحد مع الأرض وحمايتها، وربما النجاة من شيخوخة الكون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد