يكفي أن ترسل بصرك إلى الواقع لتلاحظ أن هناك تنوعًا كبيرًا في الصنف البشري، فهذا أبيض والآخر أسود، وهذا أحمر والآخر بني، وذاك يتحدث باللغة الإنجليزية وهذا يتواصل باللغة العربية، فهذا ما اصطلح عليه الناس بمصطلح الاختلاف، ومن هنا قضت إرادة الباري سبحانه خلق الناس متفاوتين في أشكالهم وألوانهم وعقولهم وألسنتهم، وكل هذا يؤدي بنا إلى التعددية في الآراء والأحكام وبناء التصورات، فهل يعتبر الاختلاف ظاهرة صحية؟ وكيف ننجح في تدبير هذا الاختلاف بطرق إبداعية؟

إذا بحثنا في المعاجم والقواميس نستطيع أن نستخلص منها أن الاختلاف هو أن ينهج كل شخص طريقًا مغايرًا للآخر في حاله أو قوله، وقد وردت لفظة الاختلاف في القرآن في مواضع كثيرة، مما يدل على ضرورة سبر أغوار هذا المصطلح والوقوف على مفهومه.

استخدم مصطلح الاختلاف في القرآن الكريم على ضربين:

1. الاختلاف الجبلي الطبيعي

يعتبر هذا النوع من الاختلاف سنة كونية مطردة من آيات الله وسننه التي لا تتخلف، والدليل عليها قول الله عزوجل: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) وقوله في موضع آخر: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ)، وهذا النوع من الاختلاف يكون في الخلقة والمعتقد والرأي والقدرات والألسن والأرزاق والأعراف، فلا يمكن جحده أو السعي إلى إبطاله إذ هو حقيقة كونية مطلقة ساطعة البيان.

ولهذا الاختلاف الجبلي الطبيعي عدة فوائد منها:

· أنه يتيح التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن للدليل أن يرمي إليها فيصبح هناك اتساع في النظر ومرونة في التحليل.

· أنه رياضة للأذهان وتلاقح للآراء والأفكار.

· أنه تعددي، يتيح حلولًا كثيرة للمشكلة الواحدة.

ومن الأمثلة التي تضرب على هذا النوع من الاختلاف داخل تراثنا الإسلامي، أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أنفسهم اختلفوا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، ومن الأمور التي اختلفوا فيها:

اختلافهم يوم الأحزاب في صلاة العصر فمنهم من صلى العصر في بني قريظة بعض خروج وقتها ومنهم من صلاها في الطريق، فذكر ذلك للنبي، فلم يعنف أحدًا منهم.

اختلافهم في دفن النبي: اختلفوا في المكان الذي ينبغي أن يدفن فيه فمنهم من قال إنه ينبغي أن يدفن في المسجد، ومنهم من قال ندفنه مع أصحابه، فتم تدبير هذا الاختلاف بطريقة إبداعية بالرجوع الى حديث رسول الله: (ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض).

من القضايا التي اختلفوا فيها أيضًا الخلافة السياسية، فقد اختلفوا فيمن تكون الخلافة فيهم، هل في المهاجرين أم الأنصار؟ وتم تدبير هذا الاختلاف والاتفاق حول خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

إن هذا النوع من الاختلاف هو ما عبر عنه الفيلسوف طه عبد الرحمن حين قال بأنه تواصل يغيب فيه الجهل والتقليد، ويحضر فيه العقل والتدليل، إنه الرأي المدلل الذي يقول به صاحبه لأن له عليه حجة ودليلًا، ليس لأن غيره يقول به.

2. الاختلاف غير الطبيعي

هذا النوع من الاختلاف جاء مذمومًا في الشرع، فهو يناقض السنن الكونية ويبث التفرقة ويزرع بذور الصدام، لذلك نهى الله عنه في قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وقال فيه نبينا الكريم: (فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بكَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ واخْتِلاَفُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)، وقال فيه الصحابي ابن مسعود: (الخلاف شر).

فمن أضرار هذا النوع من الاختلاف أنه يغذي التعصب وينمي الحقد والكراهية في قلوب البشر، ويتخذ صاحبه الانغلاق والانكفاء الذاتي منهجًا في الحياة، ويزعم أنه امتلك الحقيقة المطلقة، وغيره الباطل المطلق، وهذا يولد لنا التفرقة والظلم و العدوان والصدام مع الآخر المختلف، وبالتالي فهذا النوع يجب محاصرته واستئصاله، لأن عواقبه وخيمة ونتائجه أليمة، فكل اختلاف يجر على الأمة الضرر يكون بسبب إخراج الاختلاف من صورته الطبيعية إلى صورته غير الطبيعية.

الاختلاف له ثلاثة مجالات رئيسة، وهي: القيم، والمعتقدات، والتجارب التاريخية، ويمكننا أن نصنف هنا المختلفين معنا إلى ثلاثة أقسام:

المشترك معك في العقيدة والقيم ومثاله المسلم.

المشترك في القيم والمخالف في العقيدة كأصحاب الديانات الأخرى.

المخالف في العقيدة و القيم وهذا يمثله التيار الانفلاتي كالملاحدة والمتطرفين في كل اتجاه.

والصنف الثالث هو الذي يتخذ الصدام عقيدة ويسعى إلى غرس الأحقاد وإثارة النعرات، وأمثل طريقة للقضاء عليه تكون بتعزيز الحوار مع الصنف الثاني عن طريق ثقافة تدبير الاختلاف.

إن مهارة تدبير الاختلاف تتطلب منا الإلمام بجملة من القيم التي تساعدنا في ذلك ومن بينها:

الحوار والبحث عن المشترك: وهذا ما أسماه القرآن بكلمة السواء حيث قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ).

السلم والتعايش مع الآخر: وهو ما عبر عنه القرآن في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) وقوله: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

التعارف والإنفتاح على الآخر: وهذا ما أشار إليه ربنا سبحانه في سورة الحجرات عندما قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا).

الاحسان إلى المخالف ومد جسور التواصل معه: فهذا مدعاة إلى استمرار ثقافة الحوار، قال الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّه).

العدل والإنصاف مع المخالف: ذلك أن العدل من القيم الإنسانية الكبرى وهو أساس العمران وهذا ما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته حين قال: الظلم مؤذن بخراب العمران، والله ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة، لذلك نبه الإسلام على أهمية هذه القيمة، قال تعالى: (وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ).

لئن كان الاختلاف الطبيعي قانون كوني لا محيد عنه، فالأمة الإسلامية اليوم تحتاج إلى فكر يستوعب هذا القانون ويسعى إلى الاستفادة مما ينتجه التنوع في الطاقات والقدرات والأفكار والتوجهات في بناء حضارة مشتركة، والتقليص من حدة الصراعات والخلافات التي تهدد العمران والإنسان والحيوان.

فمن نتائج ثقافة تدبير الاختلاف أنها تسعى إلى احترام الخصوصيات وعدم الذوبان والانسلاخ من الهوية، وتروم إلى صناعة التقدم والازدهار المنشودين لدى كل إنسان، لذلك أضحت إشاعتها من الضروريات في عصرنا الحالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد