(1)

في السابع عشر والثامن عشر من أكتوبر الجاري جرت المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية، كغيري تابعت يومي التصويت فلم أجد حال عملية الانتخاب إلا وينطبق عليه وصف المثل البلدي الشائع “حفلة على الضيق بحضور الأهل والأقارب فقط حتى بدون أصدقاء”، خصوصًا  بعد عزوف الناخبين عن التصويت بمقاطعة سلبية تعددت أسبابها.

 

 

 

 

 

ولا أدل على ذلك من حديث رئيس نادي القضاة  في إحدى القنوات عندما سئل عن الحالة الانتخابية فأجاب “لا تجاوزات ولا خروقات ولا ناخبين” مداخلة تليفزيونية على قناة الحياة

https://www.youtube.com/watch?v=a3TL_QH8q2c

 

 

 

ندرة غالبة من المصوتين شهدته لجان التصويت بشكل دعا بعضهم للتهكم بسؤال هل ما يجري هو انتخابات حقـًا؟

 

 

 

وفق توصيفات النظام والمحسوبين عليه والمشاركين في الانتخابات فإنها تكون الاستحقاق الثالث من خارطة الطريق التي تلت الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، انتخابات يعول عليها النظام الحاكم لاستكمال مؤسسات الدولة لأسباب تتعلق بالخارج أكثر منها بالداخل دون النظر إلى ما إذا كانت الانتخابات تعكس إرادة الشعب الحقيقية من عدمه.

 

 

 

لكن يمكننا التأكيد وبدون شك على أنه لا يمكن التعويل على قوى غير ديمقراطية لإجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة”.

 

 

 

 

(2)

 

 

ما بين مقاطعة سياسية ورفض شعبي (تمثل في عدم حضور الناخبين للتصويت) ودعوات النظام وإعلامه للمشاركة خرجت الانتخابات بشكل  أدى بكثيرين للتندر عليه.

 

 

 

تحدث كثيرون معلقين وشارحين لما جرى في الانتخابات ولكن من ناحية أخرى دعونا نتساءل “هل تمثل هذه الانتخابات خطوة على طريق التحول الديمقراطى فعلاً من عدمه؟”.

 

 

 

 

في البداية لابد من التفريق بين أمرين مهمين للغاية هما شكل الانتخابات ومضمون الانتخابات.

 

 

 

 

بحسب الشكل: جرت العملية في صورة انتخابات تمثلت في تشكيل لجنة لإدارتها ودعوة الناخبين وتحديد مواعيد وفتح مقار للجان انتخابية مع وجود مرشحين.

 

 

 

 

أما من حيث المضمون: جاءت الانتخابات في ظل سياق سياسي أعوج تمثل في انقسام سياسي تلا انقلاب عسكري دموي، وإجراءات أمنية ضد السياسيين من مختلف الاتجاهات كالتضييق عليهم، وإجبارهم على مغادرة البلاد إلى الاعتقال وحتى القتل (داخل السجون وخارجها)،

 

 

 

 

صاحبها إجراءات أخرى ضد الأحزاب السياسية من حظر وتضييق على حرية الاجتماع وممارسة الأنشطة السياسية بشكل عام ما دعا بعضهم للقول بأن الحياة السياسية في مصر ماتت، واختلف حتى المؤيدين للنظام (تحالف 30يونيو) على طريقة إدارة النظام للمشهد السياسي، لذا خرجت الانتخابات بلا مضمون وبطريقة هزلية أو مسرحية بحسب وصف كثير من المتابعين.

 

 

 

 

حيث يقول استيفان ماير “إن الانتخابات تكون نزيهة إذا كان كل الناخبين لهم نفس عدد الأصوات ولا تستبعد أية أحزاب سياسية”

 

 

 

 

(3)

 

 

تكتسب الانتخابات قدر كبير من الأهمية في أي نظام ديمقراطي، لكنها لا تعني كثيرًا للمواطنيين إذا رأوا أن مشاركتهم لن تقدم أو تؤخر في طريقة حكم البلاد، في المقابل تزداد نسبة المشاركة عندما تؤدي نتيجة الانتخابات إلى تغيير جوهري وملموس في التوجه المستقبلي للدولة وخصوصًا في القرارات التي تمس المواطن وحياته اليومية بشكل مباشر.

 

 

 

 

 

لكن لا قيمة للانتخابات لدى نظام داس بدبابته على عدة نتائح انتخابات سابقة وُصفت بأنها الأفضل في تاريخ الانتخابات المصرية، ولم يتحرك الناخب لشعوره أن النظام لا يعمل لصالحه العام، فعلى مدار سنتين زادت الحالة الاقتصادية وطأة على عموم المصريين، فضلاً عن رفض الناخبين لكثير من المرشحين المحسوبين على نظام مبارك أو حتى محسوبين على النظام الحالي.

 

 

 

 

 

تظل الانتخابات غير مجدية في أنظمة الحكم الاستبدادية التي لا تتحمل أن يكون للهيئة التشريعية المنتخبة تأثير على تشكيل الحكومة أو السياسات الحكومية، حيث تدور تكهنات برغبة السيسي ببقاء الحكومة الحالية حتى بعد تشكيل مجلس النواب، وهو أمر غير دستوري (بحسب دستور السيسي نفسه في مادته 146).

 

 

 

 

من ناحية أخرى أن القوة الفعلية للهيئة المنتخبة تساعد في تحديد ما إذا كان للانتخابات معنى وتأثير حقيقي (فقد شكل اعتماد نظام  فردي لأغلبية مقاعد البرلمان لا ينتج عنه ظهور حزب أو تحالف فائز ضربة قوية للهيئة المنتخبة التي تفرزها الانتخابات).

 

 

 

 

 

“كم مهدت الانتخابات الطريق لقيام الدكتاتوريات، وأدت إلى تفاقم الصراع والتوتر”

 

 

 

 

(4)

 

 

استقر في ضمير المجتمع الدولي فكرة أن الانتخابات لابد وأن تلبي معايير أساسية بحيث يجب أن تكون الانتخابات “شاملة، نزيهة، حرة، متكافئة، شفافة”.

 

 

 

وتعني شاملة بأن تمنح القوانين المواطنين كافة حق التصويت والأحزاب كلها الحق في تقديم مرشحين وتسجيلاً نزيهًا للناخبين.

 

 

 

ونزيهة بمعنى الاتساق وعدم التحيز (أي التطبيق غير المتحيز للقواعد والقوانين).

 

 

 

حرة تشير إلى فرصة الناخبين في الاشتراك في الانتخابات بدون إكراه أو قيود.

 

 

 

الشفافية تعني أن تكون لها إجراءات واضحة وأن تكون نتائجها الإجمالية والفرعية منشورة.

 

 

 

 

متكافئة بحيث تتاح الفرصة للأحزاب السياسية لأن تتنافس وفق قواعد عادلة ومناخ سياسي خال من الخوف وبإدارة غير منحازة للانتخابات.

 

 

 

 

وهي أمور افتقدتها الانتخابات الأخيرة لأن الحقوق السياسية (حرية التعبير، حرية التجمع، الحرية التنظيمية) التي  تعد أساسية لأية انتخابات حرة ونزيهة جرى انتهاكها بشكل متعمد وصريح، كما انتقدت الأحزاب قانونىّ تقسيم الدوائر ومجلس النواب، أما عن تسجيل الناخبين فهو أمر تعتبره الجهات المسئولة أمنـًا قوميًا بحيث يحظر على المرشيحن الاطلاع عليه،

 

 

 

 

 

 

وأما إعلان النتائج فهو يتم بصورة سريعة في إعلان أرقام إجمالية يشوب كثيرًا منها الأخطاء (فمثلاً في دائرة الدقي إجمالي عدد الأصوات التي حصل عليها جميع المرشحين يفوق عدد الأصوات الكلية التي صوتت، والتي أعلنها القاضي المشرف نفسه – بحسب فيديو المنشور على قناة جريدة الوطن على اليوتيوب

 

 

 

 

 

 

أما المناخ السياسي فهو لم يوجد بالأساس.

 

 

 

 

 

نص إعلان وارسو 2000 الصادر عن مؤتمر مجتمع الديمقراطيات وحقوق الإنسان الذي أقيم في العاصمة البولندية على أن “الأزمات الديمقراطية لا تشمل الانقلابات العسكرية فحسب وإنما تشمل أيضًا الانتخابات المزورة والانتقاص من الحقوق”.

 

 

 

 

 

 

(5)

 

 

من أكثر الأمور التي تثير المشاكل هو التكهن بنوايا الناخبين، ففي دفاع عقيم عن عزوف الناخبين عن المشاركة جاءت تصريحات إعلام النظام والموالين له بأن الناخبين لم يذهبوا للانتخابات لأنهم اكتفوا بالسيسي مشروعًا ورئيسًا، وعليه نسألهم ما الطريقة الأخرى التي يمكن بها تسجيل نوايا الناخبين غير الانتخابات؟ وكيف لهذا أن يتم بصورة صحيحة سوى بانتخابات حرة ونزيهة؟.

 

 

 

 

 

تأتى الانتخابات بمفهومها الواسع باعتبارها أساسًا لعميلة سياسية تنتشر مع مرور الزمن وتُقيم وفق معايير دولية مستقرة، وليس بالتركيز الإعلامي على يومي التصويت والادعاء بجدية العملية الانتخابية.

 

 

 

 

 

” الإعلانات والأعراف الدولية تؤكد دون مواربة أن الانتخابات النزيهة هي أساس الحكومة الشرعية –  صامويل هانتنجتون”

 

 

 

 

 

ولنا حديث عن المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة بشكل أكثر تفصيلاً وعن المراقبة في مقالات أخرى إن شاء الله… يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد