حين قمت مع من قاموا من رُقاد عميق، بدا لي أن أمرًا سيحدث، تقلبات كثير مررت بها، وأنا من الأساس لم أكن أعرف وقتها على وجه اليقين إن كانت “القاهرة” عاصمة مصر، أم أنها دولة أخرى وضعناها في أحضان مصر.. ولكن بعد يناير 2011 قررت أن أبدأ في النشاط السياسي، قبل كل شئ، كنت أظن أن البلد في حاجة لنا، وأننا سنغير شيئًا وكل تلك الطموحات الثورية.

وقتها وأنا أحاول الحراك مع من تحركوا، رأيت في مكان ليس ببعيد مقر حزب “الحرية والعدالة” وقد كنت وقتها أميل يمينًا قليلًا، والنزعة الإسلامية استهوتني، والكلام عن الله المعسول على الألسنة أغواني، ورأيت فيهم تنظيمًا ومثابرة ومهارة، وكنت أظن أن تجربتًا هناك قد أتعلم منها شيئًا وربما أكون من بينهم.

في ذلك الوقت لم يكن هناك أحزاب تذكر، كان كل شئ متحلل، كان هناك أسماء تخرج من أماكن مجهولة ولا تحقق شيئًا، لكن هؤلاء بريقهم أبرهرني، أعجبت بخلقهم، وللحظة فكرت، لم لا أكون واحدًا منهم؟ لأجرب.

توجهت لأحد مقرات الحزب وقد كان قريبًا مني، وعلى كل حال كان لهم مقرّ في كل مكان، صعدت السلالم، كان هناك رجلين يجلسان خلف مكتب، أحدهم يعبث بجهاز كمبيوتر، بينما الآخر يعبث بمجموعة من الأوراق، كنت ارتدي “شبشب بصباع” و”تيشرت” وبنطلون “جينز” لم أكن أشبههم كثيرًا.. رمقني أحدهم بنظرة من إخمص قدمي لأطراف شعري، بعد التحيات، وماذا تريد، عبرت لهم عن رغبتي في الإنضمام للحزب، فبدا أن أحدهم غير مرحب، بينما الآخر كان مدرسًا لي في المرحلة الابتدائية، ويعرفني نوعًا ما، فقال لزميله هو على خلق.. طلبت منهم أن أتعرف على رؤية الحزب وبرنامجه، قال لي: «بـ”خمسة جنيه” الكتيب ده إقراه»، أعطيته الأموال واشتريت الكتيب، ورحلت، وقرأته، ولكن قبل أن أنهيه كان قراري بأن لا أكون بينهم قد حسم.

بعد ذلك انضممت لحزب “الدستور”، ولم أستمر هناك فترة طويلة، فقد كانوا يعتبروني إخوانيًا، لأني لم أكن موافقًا لهواهم دومًا، فقد كان لي منطقي الخاص، وأنا أشهد أنه كان مثاليًا أكثر من اللازم، ولأن مثاليتي ونظرتي لم تتوافق كثيرًا مع السياسة، التي لم نكن جزء منها أصلًا سوى كـ”أنفار” أو “كومبارسات” نؤدي دور المجاميع في التظاهرات والتجمعات الحزبية، قررت أن أرحل، مع بدء ظهور حملة “تمرد” والتي أصابتني بالمرض بمجرّد ما قرأت مطالبها.

ولأني على يقين أن الله يحبني، فهو دومًا ينجيني، مرة من الإنضمام للحرية والعدالة وقد كنت لا أكاد أفقه قولًا، والسبب كان نظرة دونية جرحت كبريائي، ومرة ثانية حين ألهمني الحكمة يوم كانت أقدام حزبنا على آخرها داخل “تمرّد”، قلت في اجتماع مناقشة سبب الاستقالة: «يمكنني أن اتهاون في جزء من مبادئي من أجل الجماعة.. لكن أن أتركها جميعًا، فأنا قد خسرت نفسي»، بالتاكيد لم تكن العبارة بنفس البلاغة، ولكنها كانت مصاغة بعفوية تليق بنوعية الجمهور، وقد كان أكثرهم بيض القلب، صغر السن.

أحيانًا كان الله ينطقني بالحكمة، أذكر مرة كنت بالصدفة، حينما كان القدر يضعنا بموضع السياسيون، حين توجهت مع فريق من الحزب لمحامي يدعى “م.ج” وهو محامي شهير في إمبابة، وقد كان دعانا ليقدم دعمًا لنا، وهو وقتها في حزب “الوفد”، وما فهمته من وراء الكلمات أنه يريد أن يشتري “أنفارًا” من أجل انتخبات مقبلة، وقلت وقتها كلمة، شعرت بعدها أن أحمد عرابي كان حاضرًا بينهم: «لن نكون وجوه جديدة لسياسة قديمة»، اعتقدت أن الكلمة ستسقط فوق رأسه كالصاعقة، ولكن لم يحدث شيء، ولكن ظللت أنا أتذكر الكلمة والموقف، وأؤكد لنفسي أني لن أكون وجهًا للأقدمين.

الحقيقة أن قدمي لم تنغرس يومًا في اتجاه، لم أجد نفسي يومًا إنجرفت مع تيار معين حتى صرت معروف بانتمائي له، منذ 2011 حتى الآن، هناك من يصنفني كإخواني، أو مؤيد للدولة، لا أريد أن أقول مصطلح آخر، ومرّات علماني، أنا لم أكن مقتعنًا يومًا بأي من هذا الهراء، فقط كنت أبحث عن مساحة.

مرتين فقط غرست فيهم قدمي، تارة حينما كنت أنوي أن أكون ممثلًا، وعدلت عن هذا الاتجاه قبل سنوات، ولكن كنت أحبه، ولكن من يعرف لربما كنت أكمل وقتها دور “الأنفار” في مسارح الدولة. والأخرى، هي ما أنا عليه الآن “صحافي”.

الأخيرة تلك باتت مصدر رزقي، وربما تكون صفتي في الحياة بعد ذلك، لها ما لها وعليها ما عليها، وأفكر في هذا الأمر مليًا، ولكن قدمي قد انغرست، واتحملها بسوئاتها، وأعرف أنها باتت “رأي.. بلا رأي آخر”، ولكن لأني كما قلت لكم أعرف أن الله يحبني، فلا أشغل بالي كثيرًا، فلو كانت شرًا لكانت مثل سابقيها انتهت.. لكن لم يحدث.

ولكن بعد مرور السنوات، أتصور أنني لو كنت قد بقيت على أي من تلك الصور، أو لو كنت انضممت للحرية والعدالة.. ماذا سيكون حالي؟ ولو كنت آمنت بـ”تمرّد” كيف كنت سأسامح نفسي؟.. ولو أنصعت لرأي المحامي، أو بقيت ممثلًا أتسول أدوار الكومبارس.

أفكر في هذا الآن، بعد أن رأيت هؤلاء الذين تركوا البلاد قسرًا، وهؤلاء الباقين كمدًا، تلك الاختيارات الأولى التي تصنع بصمات غائزة في حياتنا، ربما بسيناريو حياة آخر، كنت في مكان مختلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد