في عام 2016 تسلمت إسرائيل أول طائرتين من طائرات إف-35 من الولايات المتحدة، وتعد تلك الطائرات أكثر تطورًا ونجاعة من الإف-16 لما تحتويه من مزايا وصفات جيدة عديدة: أهمها على الإطلاق هي ميزة التخفي من الرادارات؛ لأنها تترك بصمة ضعيفة لا تستطيع معها أجهزة الرصد والإنذار تتبعها بدقة، وعندما جثمت الطائرتان في قاعدة نيفاتيم العسكرية احتفت بهما إسرائيل آنذاك احتفاء كبيرًا؛ لأن مقاتلات إف-35 ستزيد من كفاءة سلاح الجو الإسرائيلي في المنطقة، وتبدد من ثم شيئًا من ارتعابها.

  ومع هذا فإن نفس هذه المقاتلات كان من المفترض أن يتم في هذا العام تسليم اثنتين منها لتركيا، إلا أن السيناتور جيمس لانكفورد والسيناتور توم تيليس والسيناتور جيان قدم جميعهم مشروع قرار لمجلس الشيوخ الأمريكي يمنع تسليمها لتركيا؛ لأن توجهات أردوغان وتركيا تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، وأن مصالح الولايات المتحدة مقدمة على أي اعتبار، وأن تركيا فعلت فعلًا قبيحًا وكريهًا عندما احتجزت القس برانسون، كما يدعي السيناتورات الثلاثة!

  إف-35 هي طائرة مقاتلة من الجيل الخامس، وتختلف عن إف-16 بقدرتها على التهرب من أجهزة الرادار والإنذار المختلفة، وفوق ذلك فإنها تتميز بأن سرعتها أكبر بكثير من إف-16؛ إذ تبلغ سرعتها 2 ماخ، أي: ما يزيد على اثنين ألف كيلومتر في الساعة، في حين أن إف-16 أقل من ذلك، ومع هذا فإن لها ميزات جيدة أخرى تتفوق بها على النسخة القديمة إف-16، مثل مقدرتها على دمج معلومات المجسات والمستشعرات العاملة برًا وبحرًا وجوًا، بهدف المشاركة العملياتية الفورية عند الحاجة، ولها أيضًا القدرة علي ضرب الأهداف وتدميرها بدقة أكثر من غيرها، ويعطيها كل هذا امتيازًا كبيرًا؛ مما جعل سعرها يتضاعف (نحو 110 مليون دولار للطائرة الواحدة).

  وبالرغم من مشاركة تركيا الأساسية في صناعة الطائرة في برنامج Joint Strike Fighter من ضمن تسع دول تشاركت فيها، إلا أنه لم يستلم هذه المقاتلات المتطورة إلا ثلاث دول: إسرائيل، والولايات المتحدة، وهولندا، وكان من المفترض أن تستلم تركيا الدفعة الأولى من مجموع 116 كانت قد تقدمت بطلبها، إلا أن رفض الولايات المتحدة يظل فرضية قائمة في المدى المنظور بعد أن جمع ترامب في إدارته أغلب الجنرالات الذين تشبه صفاتهم صفته، مثل الخداع والميل للعدوانية والحمق وغيرها.

  فرضية إحباط وإفشال صفقة إف-35 تظل متزايدة، خاصة بعد أن هددت الولايات المتحدة صراحة أنها لن تقوم بتسليم طائرات إف-35 إذا قامت تركيا بشراء منظومة إس- 400 الروسية، إضافة إلى أنه من المحتمل أن تتعرض للعقوبات بسبب قانون العقوبات الذي أقرته ضد شركات الصناعات الدفاعية الروسية، وعندما كانت الولايات المتحدة تهدد تهديدها ووعيدها هذا، كانت تركيا قد أنهت الاتفاق مع روسيا بشكل كامل من اجل شراء منظومة إس-400 المضادة لطائرات الإنذار المبكر وطائرات الاستطلاع، وللصواريخ الباليستية متوسطة المدى، وبعد هذا فإن فرضية الرفض والمنع تظل متزايدة لأن امتلاك تركيا لمثل هذا النوع من الطائرات (وهذا هو أوجب سبب) يمثل تهديدًا حقيقيًا لإسرائيل وأمنها القومي، وهو ما لا تقبل به الولايات المتحدة.

  المحصلة في ذلك أنه سواء تحججت الولايات المتحدة بمنظومة إس-400 الروسية، التي ينبغي أن تلغي تركيا الاتفاق بشأنها، أو أن تركيا تخوض طريق الحكم الخاطئ والتغاضي عن سيادة القانون كما يزعم ويدعي سيناتورات مجلس الشيوخ! فإن العواقب الوخيمة سترتد عليها؛ لأن برنامج تصنيع الطائرة سيتعطل بشكل كامل، إذا انسحبت تركيا منه؛ لأنها تقوم بصناعة أكثر الأجزاء تعقيدًا في الطائرة وهو الجزء الأوسط منها، وستهتز وقتذاك صورة الإدارة الأمريكية التي جنرالاتها وصقورها لا ينفكون يمارسون المكر والخداع، ستهتز أكثر وأكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد