«إن من البيان لسحرًا».

تعرفت عليها منذ فترة ليست بالقصيرة، وما أحببت أن أتكلم عنها، أو أن أبدي رأيي فيها، حتى هالني كثرة المراجعات عليها، وظهور روايات كثيرة تحذو حذوها، وتعليقات وملخصات لا حصر لها، وكأن الكثير يتسابق في طلب وُدَّها وإبداء إعجابه وانبهاره بجمالها الخلاب الذي يؤثر القلوب وسحرها الذي يسلب العقول، وكأنك أن تبدو مثقفًا وقارئًا ومطلعًا لابد وأن تُظهر أنك تقرأ الروايات العالمية التي حصدت الجوائز بغض النظر عن محتواها الفكري أو حتى الأدبي المهم أن تكون الرواية عالمية وكاتبها روائي عالمي.

عن الرواية

«قواعد العشق الأربعون» للوهلة الأولى يظن من يسمع اسم الرواية أنها رواية رومانسية تتكلم عن الحب ةو العشق بين الرجل والمرأة فقط ولكن الحقيقة أنها تناولت قضية أخطر من هذه، مافتئت إليف تدندن حولها وتبحر في أعماقها إلا وأخرجت للقراء أسوأ ما فيها وتطرحه عليهم في إطار أدبي ودرامي جذاب كما هو الحال في روايتها «الصوفي» و«مرايا المدينة»، ولا يخفى على القارئ ذي الحس الأدبي أن إليف أبدعت في كتابة الرواية من حيث التنوع الزماني والمكاني لأحداث الرواية؛ فهي تسير في خطين متوازيين أحدهما في القرن الثالث عشر الميلادي في بلاد الأناضول، والآخر في الحادي والعشرين في الولايات المتحدة الأمريكية والعراق حيث إنها دمجت رواية أخرى داخل روايتها تروي أحداثها إحدى شخصيات روايتها الرئيسية وجعلت أحداث الرواية تارة تُنطق على لسان أشخاصها المتنوعة كلٌ من وجهة نظره وعن طريق ضمير المتكلم الحاضر، وتارة أخرى هي تتكلم عنهم بضمير الغائب؛ مما أعطى روحًا متجددة للرواية، وهذا كله في وجهة نظري زاد الأمر خطورة إلى خطورته، لا أقول كمن دس السم في العسل، بل أستعين بإحدى عناوين رواياتها وهي «الحليب الأسود» لأصف تلك الرواية بأنها كحليب أسود مربادا لا يخفى سواده كما يخفى السم في العسل لا يكاد ينزل في جوف أحدهم إلا وأصبغه بسواد الشبهات الحارقة.

رواية عن جلال الدين الرومي كما كُتب في عنوانها، ولكن يمكن أن نقول إنها في الأصل عن أستاذه الذي أخرجه من النور إلى الظلمات ومن اليقين والعقل إلى التيه والجنون ومن الفقه والعلم بالشريعة إلى الزندقة والتحرر من الأحكام والتكاليف الدرويش المجهول «شمس التبريزي»، وعن العشق الإلهي كما يزعمون فهي إذًا في المقام الأول رواية عن التصوف الاتحادي الحلولي أو التصوف الفلسفي، وبتلك الرواية يمكن أن نقول إن شافاق فتحت بابًا على مصراعيه، وكانت بمثابة عود الثقاب الذي أشعل النار في الهشيم، فبدأت دور النشر والمعارض والمؤتمرات الأدبية تتسابق في إخراج وإحياء وإعادة نشر أطروحات وأبحاث ورسائل عفى عليها الزمن تتعلق بجلال الدين الرومي وتراثه خاصة، والتصوف عامة، وظهور روايات لا حصر لها في جميع أنحاء العالم مثل الرواية الفرنسية «بنت مولانا»، وأيضًا دراسة لمستشرقة فرنسية عن جلال الدين الرومي والتصوف، وبالفارسية رواية «الرومي نار العشق»، وبالعربية رواية «حارس العشق الإلهي» و«سكرة في خمارة الرومي» وغيرها الكثير[1].

وأيضًا بعض الأفلام الوثائقية، والمسلسل الإيراني جلال الدين الرومي، والفيلم الإيراني التركي «سكرة الحب» عن حياة جلال وشمس، والمسرحية المصرية «قواعد العشق الأربعون» وأخيرًا مشروع فيلم عالمي من إنتاج هوليوود.

وهذا ما أكدته صحيفة «رويترز» حين قالت:

«ألف تحية لإليف شافاق التي فتحت بابًا على مصراعيه، وتركته مشرعًا ليدخل من يشاء كيف يشاء متى شاء».

وهنا يجب أن ننوه على القارئ الكريم أنه لاداعي لقراءة مثل تلك الروايات مهما كانت المغريات والتشويقات حولها، أو بدافع الفضول لعدة أسباب منها: أن الإبداع الأدبي وتجميل الشخصيات والحبكة الدرامية تجعل القارئ يتعاطف مع الشخصيات والقضايا المطروحة وتؤثر على قناعات قد تكون ثاوية في أعماقه منذ زمن، لذلك ننوه على خطورة الأعمال الأدبية والإعلامية في تغيير القناعات والأفكار للمتلقي، فالأدب عمل روحي يتغلغل في الوجدان وبإمكانه التغلغل في الفكر وتغيير القناعات أو في أقل الأحوال خطورة تجعله واقفًا على الحياد في قضايا وأمور الحياد فيها لا يختلف كثيرًا عن اعتناقها، لأنه لابد من تسمية الأسماء بمسمياتها الشرعية وإلا فالوقوف على الحياد وعدم تسمية الكفر بمسماه لا يختلف كثيرًا عن من اعتنقه.

وذلك تطبيقًا لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري رحمه الله «إن من البيان لسحرًا».

قد يتساءل أحدهم أليس من الإنصاف في النقد أن نطلع على العمل كاملًا وبحيادية دون تصور أو قناعة مسبقة حتى يكون النقد أكثر شفافية وأقرب للعدل؟

نقول هذا صحيح من حيث النقد الأدبي البحت، ولكننا هنا لسنا بصدد نقد أدبي للرواية، فنحن ننقد ونتكلم عن قضية خطيرة تمس أخطر اعتقاد وعلاقة يترتب عليها مصير الإنسان والجان في الدنيا والآخرة ألا وهي اعتقاد وعلاقة المخلوق بخالقه سبحانه وتعالى.

عن مؤلفتها

إليف شفق أو شافاق نسبة إلى والدتها شفق أتيمان، تركية الأبوين ولدت في فرنسا رفضت نسب والدها عندما انفصل عن والدتها، ورفضت أن تحمل اسمه، وفضلت أن تحمل اسم والدتها، كما لا يخفى أيضًا على الكثير تصريحاتها ودفاعها عن قضايا تخالف الفطرة السليمة لبني البشر، وهذا كله يدل على نفسية وأدبيات ومنطلقات كاتبة الرواية وما تريد أن تصل إليه من تسويغ التحرر من التكاليف والحدود، ولكن في هذه المرة ليس بدافع الإلحاد والعلمانية فقط، بل بدافع العشق الإلهي والتدين الفنائي حيث يفنى العبد في معبوده ويتحدى ويحل بعضهما في بعض ويعشق كل منهما الآخر فترتفع التكاليف وتتحرر القيود وإلا فكيف لعبد أن يتكلف ويتقيد وهو معبود نفسه ونفسه معبودته والعياذ بالله؟ (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ).

تقول أليف شفق: «لقد اعتاد محي الدين بن عربي أن يقول سأبحث عن دين الحب أينما كان حتى لو كان عند اليهود أو النصارى أو المسلمين، إن الأصوليين يتبعون دين الخوف فتكون سياستهم التخويف، إن الصوفي المسلم يتبع دين الحب تمامًا مثل ما قال ابن عربي لا يوجد دين أرقي من دين الحب، إن روايتي «قواعد العشق الأربعين» تعرض نظرة ثاقبة على الفلسفة القديمة القائمة على وحدة جميع الأديان والشعوب»، فالله لا يقبع في السماوات العالية؛ بل يقبع في داخل كل منا، لذلك فهو لا يتخلى عنا فكيف له أن يتخلى عن نفسه، إن جهنم تقبع هنا والآن وكذلك الجنة – الموسوعة الحرة.

لغز الخاتمة

توجهت شافاق بالشكر لما يسمى بفريق عمل الرواية كلٌ باسمه على المساعدات والإضافات والمقترحات الرئيسة التي أسهموا بها لتخرج الرواية بهذا الشكل حينما كان مخطط الرواية يتنقل بين إسطنبول ونيويورك، وهذا من وجهة نظري وعلى حد علمي المحدود جديد وغريب ومريب في نفس الوقت، لأنه منذ متى والروايات التي تنسب لمؤلف واحد ويحصد عليها الجوائز الفردية باسمه وليس باسم مؤسسة، يشارك فيها فريق عمل؟

بتحليل بسيط لهذا اللغز يمكن أن ندعي أن هذا العمل موجه ومدعوم من جهة معينة لإيصال فكرة معينة، ولكن هذه المرة بلباس ديني روحي يخاطب العاطفة ويتكلم بلغة الحب الخاطفة ليكون أكثر تأثيرًا في فئات يصعب التأثير عليها باسم الإلحاد والعلمانية.

ولعل من أول ما يلفت النظر هو الاهتمام الغربي بجلال الرومي، فهو يعتبر، رغم ابتعاده الزمني، من بين الشعراء الأكثر شعبية في الولايات المتحدة وفقًا للاهتمام العام، أو كمية مبيعات الكتب؛ لدرجة أن منظمة اليونسكو أعلنت أنَّ عام 2007م سنة جلال الدين الرومي عامًا احتفاليًا بالمئوية الثامنة لميلاده، وأقامت اليونسكو في مقرها في باريس ندوة عنه ومعرضًا لكتبه ولمخطوطاته واللوحات التي تتناول حياته وأعماله[2].

فيظهر هنا من كل ما سبق أن الرواية كُتبت بخلفية علمانية تركية وتحرر فرنسي أمريكي على أساس صوفي لإسقاط عقيدة «إن الدين عند الله الإسلام» واستبدال بها عقيدة إن الدين عند الله العشق، وهذا ما تؤصله القاعدة الأربعون في نهاية الرواية.

«عندما اقتربت إيلا من النافذة ونظرت إلى السماء الزرقاء في كل الجهات، ودارت بسرعة من تلقاء ذاتها، وتلاشت وذابت في العدم، وواجهت احتمالات كثيرة، مثل درويش يدور حول نفسه، ثم قالت في بطئ: تقول القاعدة الأربعون: لا قيمة للحياة من دون عشق، لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي.. فالانقسامات لا تأدي إلا إلى مزيد من الانقسامات، ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف، إنما كما هو نقي وبسيط.

العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار.

يصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء.

ونقول شتان أن يجتمع الغرب مع الشرق، والنار مع الماء، والموت مع الحياة، بل وجهنم مع الجنة.. فذكرتني بذلك الهائم على وجهه في الصحراء يفترش الرمال والأشواك زمانًا طويلًا يبحث عن غرب الجنوب في رواية كشف المحجوب للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله حين قال:

وقفت على خيمة رُحَّلٍ ذات يوم فقيل لي:

تخطو حافي القدمين فوق الرمل اللاهب والأعشاب الشوكية! الأشواك قد أدمت قدميك يا ولدي! فارفق بنفسك!

قلتُ: أو قد دَمِيَتا؟

فسألت عن غرب الجنوب، فأشاروا تجاه المحال وأطرقوا آسفين!

قال شيخ مسن وهو يربت على ناقته:

( أجنوبًا تريد أم غربًا يا ولدي … دقق فإنهما لا يجتمعان!)

قلت: جنوبها يا سيدي يؤدي إلى الغرب..فدلني؛ قال وقد تملكه العجب: الحياة حياة.. فكيف تؤدي إلى الموت!».

وللحديث بقية بإذن الله.

[1]- خالد محمد عبده احتجاب شمس تبريزي، موسى أبو رياش بركات قواعد العشق الأربعون.

[2]– جلال الدين الرومي صاحب قرآن الصوفية الباطل! بقلم: يحيى بركات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد