«أن تدخل حانة سُكْرٍ بقلب عاشق تصبح محرابك ويصبح السُكْر عبادة، أما أن تدخل محرابًا بقلب سكير يصبح حانة سُكْرٍ وتصبح العبادة سُكْرًا»

لا شك أن الكاتب الروائي لا يلتزم بالسياق التاريخي للأحداث ويترك لمخيلته العنان ويعطي لنفسه الحق في العبث بالأحداث التاريخية وتطويعها من أجل الانتصار لمراده وفكرته التي يريد أن يمررها للقارئ، وهذا يتضح جليًا وبصورة فجة عند إليف في روايتها هذه كما سيأتي.

في بداية الرواية تجتمع إيلا وزوجها وابنتهما الجامعية وتوأمهما المراهقان والعمة إستر لتناول الغداء، وفي مشهد عبثي يُمرر بكل هدوء ومنطقية وواقعية تعلن الفتاة الجامعية عزمها على الزواج من صديقها، فتتوتر الأجواء، ثم يريد الأب أن يبدو هادئًا، وأن يعالج الموقف بموضوعية؛ ليعلنها صراحة لابنته أن عليك أن تتريثي لأن التواعد وإقامة علاقة مع شاب شيء والزواج شيء آخر وتكمل الأم الحكيمة بأنه إن كنت حاملًا منه فيمكن أن نعالج الأمر فيضحك الأَخَوان ويتندران بأنهما سيصبحان خالين للمولود الجديد!

ثم بالانتقال إلى إيلا، تلك المرأة اليهودية الأربعينية ذات الحياة الهادئة الرتيبة التي تجد صعوبة في تغيير نوع قهوتها الصباحية، والتي أفنت نصف عمرها في خدمة بيتها وزوجها وأولادها، فجأة تنقلب حياتها رأسًا على عقب بعد ما قرأت رواية «الكُفر الحُلو» لعزيز زاهارا الصوفي، وتفتتن به وبعلاقة جلال وشمس التي وردت في روايته لتتحرر من قيودها وتتخلى عن مسؤولياتها وأولادها في أشد احتياجهم إليها، وتسافر إلى بغداد لتقابل عزيز وترتبط به، ثم يموت عزيز التي ضحت بكل شيء من أجله وتصبح بلا عائلة ولا مَأوى ولا مُؤو.

فيما سبق رسالة مجتمعية خطيرة تشرعن للانحلال والخيانة والتخلي عن المسؤولية والانسياق وراء النزوات والشهوات، ومع كل هذه الجرائم في حق النفس والعائلة والمجتمع والدين ومع سحر العرض الأدبي والمنطقي لأحداث الرواية يجد القارئ نفسه متعاطفًا، بل مدافعًا وبقوة عن إيلا وابنتها لأنهما لا ذنب لهما إلاَّ أنهما أرادا الحب كما هو بسيطًا.

ولتعطي إليف شرعية تاريخية ودينية لهذا الانحلال والتفسخ الذي أعلاه تتدخل شافاق من خلال رواية الكُفر الحُلو لتطوع وتعبث بالقصة التاريخية التي تدور أحداثها بين جلال الرومي وشمس التبريزي ومن حولهما من شخصيات على مافيها من خلل وشبهات وعقائد فاسدة لتبرهن أن ميثاق العشق أقوى من ميثاق الشرع والدين ويشرع باسمه كل شيء؟

وفي قصة البغي والسِكِّير التي ينقم عليهما المجتمع الظاهري السطحي يحاول التبريزي أن يصل إلى قلبيهما لربما كان العشق يملأهما عندما كانوا يفعلون ما يفعلون فيكونان من الأولياء الصالحين والناس في الغفلة عن الباطن غارقون في الحكم على الظاهر.

«أن تدخل حانة سُكْرٍ بقلب عاشق تصبح محرابك ويصبح السُكْر عبادة، أما أن تدخل محرابًا بقلب سكير يصبح حانة سُكْرٍ وتصبح العبادة سُكْرًا»

ولهذه القاعدة – وإن كانت لم تورد في الرواية بهذه الجملة ولكن بالمضمون – أمر الأستاذ شمس التبريزي تلميذه جلال الرومي للذهاب إلى حانة المدينة واحتساء الخمر أمام الناس ليتخلص من إرادة السمعة عند الناس ليصبح عشقه للإله خالصًا من الشوائب، فيمسك قنينة الخمر بيد مرتعشة حتى يشرب منها، ويقول: إن المبادئ والقيود الدينية مهمة لكنها يجب ألا تتحول إلى محرمات بهذا الفهم أجرع الخمر الذي تعطيني إياها اليوم مؤمنا من كل قلبي بأنه توجد رجاحة عقل ورزانة بعد ثمالة الحب.

يقول التبريزي:

عندما كنت طفلًا رأيت الله.. رأيت ملائكة.. رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي.. ظننت أن جميع الرجال رأوا ما رأيته.. لكنّي سرعان ما أدركت أنهم لم يروا.

وعندما دخل على جلال الرومي أول مرة في مجلسه سأله صراحة من هو الأعظم برأيك النبي محمد أم الصوفي أبو يزيد البسطامي؟

وغيرها من عقائد التصوف الفلسفي من حلول الإله واتحاده مع خلقه ووجوده في كل شيء، والتفسير الباطن للقرآن التي تقررها القواعد الأربعون للرواية.

ويتجلى في هذه الرواية أن إليف تحاول صبغ قصة جلال الدين وشمس التبريزي بأفكارها الغربية المتحررة، بل يمكن أن نقول إن تلك الصبغة تعدت إلى البناء المعماري للرواية أيضًا بجانب البناء الفكري وهذا يتضح في المقطع الذي كانت إيلا تجلس فيه في بغداد تتأمل ملاءة الثلج الكثيفة التي تغطي الطبيعة وذلك اللون المبهر الذي ينبعث من تحت أكوام الثلج، وكأن إيلا كانت تجلس في أوروبا الباردة مثلًا وليس في بغداد!

أما عن الإهمال الفني والتقني في ربط بعض أحداث الرواية ومراجعة السياقات والحوارات لتكون واقعية غير متناقضة فهو ليس بالقليل، ولكن المقام ليس مقام ذكره الآن، ولأنه عادة ما يقع في مثل هذه الأخطاء الكُتاب بعد وصولهم للعالمية نتيجة سطوة الشهرة والمراهنة على ذاكرة القارئ والتقليل من شأنه وحسه الأدبي لأن القارئ بالنسبة لهم ما هو إلا عدد تجاري يحسبون من خلاله مكاسبهم المادية والمعنوية، أما الكُتَّاب الذين يهتدون إلى قلوب وعقول القراَّء فقليلٌ ما هم.

وأخيرًا فحالة الإقبال الشديد في جميع أنحاء العالم على مثل تلك الروايات والأفكار ماهي إلاَّ انعكاس للطغيان المادي الحضاري وإهمال الجانب الروحي مما أدى إلى نزيف روحي يؤذن بموت الجانب الروحي لدي إنسان الحضارة المادية الحديثة، مما جعله وكمحاولة أخيرة يلتقت فيها أنفاسه محاولًا بث الروح مرة أخرى في ذلك الجسد الموشك على الموت، ولكن مثل هذه الأفكار والعقائد المنحرفه لن تزيده إلاَّ نزيفًا إلى نزيفه فيفنى ولا بد.

فوجب على من هداهم الله للطريق القويم لزكاة النفس والارتقاء بالروح أن يأخذوا العالم من يديه ويعبروا به ذلك الطرق إلى بر الأمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد