تمثل الكتابة في الأصل نوعًا من بثّ الشجون، ووصفًا لما يعتمل في الصدر من مواقف وآراء، وكانت الكتابة قبل فضاء مواقع التواصل الاجتماعي نوعًا من التعبير الرسالي؛ أي أنّ الكاتب ينتهج نهجًا معينًا يفني فيه كل جهده، يتطور مع بلاغة الأحرف المنتظمة ثمّ يسلح عنه كلّ ما يظنّه رأيًا غير ناضج.

غير  أنّ الكتابة أخذت منحًى جديدًا يمكن القول أنّه نوع من الموسمية اليومية، حيث تجد نفسك مضطرًا للكتابة حول ما يطلبه الحال والموقف، وهنا تفقد القدرة على التأسيس لنهج تراه إكسيرَ الحلّ، هذا النوع من الكتابة الهلامية هو نوع من قولبة الرأي على هوى المتابعين، وعتاده ليس إلا نوعًا من العاطفة الجياشة التي تسود وقتنا الحاضر وبراعة في صفّ الكلمات حتى وإن جعلت منك ذيلا للهاشتاج المتداول.

هناك مواقع ومنصات لها شروط معينة وكتّاب معينون يكتبون ما يمليه الموقع أو المنصة، وما عليك سوى الكتابة حول الموضوع المطروح مما يجعلك عبدًا -بالمعنى الحرفي- للهاشتاج المطروح، وكيف ستجد وقتًا لطرح رؤيتك التي أفنيت حياتك في تهذيبها وتشذيبها؟ ومتى ستطرح الهيكلية العامّة لفكرتك؟ وإن أخطأت في تقدير موقف ما وأنت تجاري الهاشتاج فما هو المرجع الذي سيحكم عليه من خلاله؟ وأسئلة كثيرة جدًا لا يملك الموسمي الإجابة عنها لأنّه لا يملك نهجًا واضحًا ولا دقيقًا للاحتكام إليه، فمثلا على النقيض من المثال كان هناك كتاب ومفكرون يضعون تصورًا ونهجًا معينًا قبل الخوض في المسائل العامة؛أي أنّهم يضعون قانونًا على طريقة الرياضيات ومن ثم يحتكمون إليه في كتاباتهم.

فهذا مالك بن نبي يرى في واحد من أهم معادلاته أن العوالم المعاشة ثلاثة، عالم أفكار وعالم أشخاص وعالم أشياء، ويرى انتكاس الأمة أنّها تعيش في عالم الأشخاص الذين يغرقونها في عالم الأشياء ممّا يمنعها من القيام بمهمتها الأساس، وذلك لأنّها خارج عالم الأفكار، وهذا سيّد قطب الشهيد يرى القبول بالواقع المعاش جاهلية وارتكاس وأنّ أي تقرّب من الطغاة خيانة للمبدأ الإسلامي الأساس ويرى الحلّ في العمل على إيجاد جيل قرآني فريد يعيد الأمة إلى رشدها ودربها القويم. ومن ثمّ انطلق الاثنان في تقييم المسائل التي تعرض لهما بناء على القوانين التي وضعاها وتجدهما يعودان لهذه القوانين في كلّ مسألة كتبا عنها، ويمكن استعراض العشرات من الأمثلة على ما نحو ما سبق.

أن أكتب كما تريد هذا نوع من ممارسة الإقطاعيّة التعبيرية. تجعل مُطلقُ الهاشتاج والمروّجُ له في منزلة السيد والكاتب المتفاعل في منزلة الأقنان، وهذا تمامًا عكس ما يرنو إليه الكاتب الذي يحترم كيانه كصاحب مبدأ والذي يحترم القدرة التي منحها الله تعالى له في التعبير عما يعجز  عنه الكثيرون، فأي حريّة في التعبير تلك التي تطلب منك أن تهرب من الحكم الشمولي القمعي التفردي إلى ديكتاتورية الهاشتاجات والتفاعلات القسرية؟ ثمّ من قال إن المخالف أو غير الكاتب المتفاعل مع الهاشتاج منشقٌ عن الصف الكوني للأمة؟ وكذلك من الذي منح مُطلق الهاشتاج صلاحية تصنيف غيره من الكُتّاب بناء على التفاعل مع هاشتاجه من عدمه؟

كثير من المصنفين للكُتّاب بناء على التفاعل مع الهاشتاجات، يتبنون أفكارًا ومواقف لا يمكن القبول بها، فبعضهم يرى الكيان المحتلّ مجرما في حين يرى ممارسات الدولة الكسروية الشيعية منافحة عن حق الأمة في الحريّة، وبعضهم يرى ما يفعله مغتلم الأعراب نهضة وانفتاحا في حين يرفض الحديث عن جرائم الأعراب في اليمن، ويرى أن الاستقرار في ظلّ الطغاة وأزلامهم أفضل من مخاض الربيع العربي، بل بعضهم يقف مع المقاومة وحقّ الشعب الفلسطيني في الحرية والحياة الكريمة ومع ذلك يرى أنّ الربيع العربي ليس إلا خريفًا جلب الويلات للبلاد العربية، ويرفض أن يسميه ربيعًا ويشنّ حملات متتابعة على الاصطلاح. هذا الانفصام الكتابي الفكري أصله عدم وجود نهج واضح عند الكاتب بل هو تفاعلي كما هو حال من يجارين موضة الملابس فلا هو بالمصمم فيستفيد ولا بالتاجر فيربح بل هو المستهلك الموجَّه الخاسر في نهاية المطاف.

كلّ ما سبق لا يعني أنّ الإنسان لا يجب أن يتفاعل مع القضايا العامّة للأمة، بل يجب أن يكون له موقف من كلّ مسألة. لكن التفاعل لا يُغني عن ضرورة اتخاذه منهجًا محددًا وفكرة واضحة قبل أن يباشر الكتابة قياسا على قول الفاروق «تفقهوا قبل أن تسودوا».

ثمّ إنّ أهداف الهاشتاج في نهايتها استعراضية تفريغية لا غير، فمثلا لو قلنا أنّنا نريد فضح جرائم طاغية سوريا وكشفه أمام العالم، أليس هذا العالم الذي نخاطبه ونتخذه حكما هو نفسه من يُبقي طاغية سوريا إلى الآن؟ ولو قلنا أنّ الهدف هو إثارة الرأي العام العالمي، أفلا يرى هذا العالم الصور من دوما والغوطة واليمن وحدود غزة؟ أوليس قادة هذا العالم هم نفسهم من يعطلون كل قرار يدين الاحتلال الصهيوني أو الإجرام الصفوي النصيري الصفوي؟ ثمّ ماذا تفيدنا دموع كهل في أقصى الأرض وابنه يقاتل في بلادنا ويقتل إخواننا مع الطغاة وأذنابهم؟ حتى عندنا في فلسطين ماذا سيفعل الهاشتاج ونحن شلو ممزق؟ هل سيأتي بالرواتب للمقطوعة رواتبهم؟ أم هل سيفتح معبر رفح للمرضى والعالقين؟ أم علّه سيمنع الاعتقالات في الضفة المكلومة؟

إنّ المجتمع الدولي برأيه ومؤسساته وجمعياته لا يمكنه أن يتعدى القلق الشديد الذي يشعر به الأمين العام للأمم المتحدة بعد كل مجزرة في بلادنا، نحن ننزف الشهداء والجرحى ونضطر لرؤية المسجين كل ثانية وهو كممثل للمجتمع الدولي يزداد قلقًا فمشكلتنا حلها في نزع حقوقنا بدفع ضريبة الكرامة لا ضريبة الذلّ وحلّ مشكلته في شريد دواء لا يسوى قلامة ظفر لطفل من أطفالنا.

لا يمكن أن أمارس عليك ما انتقدته فيك، فلك التفاعل والكتابة وإطلاق الهاشتاجات ولكن ليس لك أن تجبر غيرك على الكتابة بطريقتك وحسب رزنامة وقتك أو تفاعلاتك العاطفية، فكلنا نكره الطغاة وأذنابهم وأحزابهم وإعلامييهم  ولكل منا طريقته في التعبير والكتابة ولسنا قالبًا واحدًا، وتأكد أنّ ما يؤرقك يؤرق آلافا غيرك ويحرمهم النوم والراحة وهناء العيش فلا تكن قلما ومقصلة في نفس الوقت. والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد