حاليًا أقرأ كتاب العبرات للأديب العملاق في حقله والمُتفرِّد بأسلوبه مُصطفي لُطفي المنفلوطي، والذي لن أقرأ وأستفيد وأتعلَّم من أحدٍ في اللغة العربية وألفاظها ومفرداتها أكثر منه، فهو يعرف كيف يتحكَّم باللغة ويطوِّعها بأبرع ما يكون حتى يبلغ مقصده ويتكامل الشكل الأدبي الذي أراده، وهو بالنسبة لي يستحق أن يُضرب به المثل في فصاحة وبلاغة اللسان العربي، ولربما وصل الأمر لاستحقاقه بأن يكون خيرٌ من خير جاحظٍ للغتنا العربية العريقة، الآتية من العصور الإسلاميَّة في أبهى صورها عِلمًا وأدبًا وثقافةً.

في أثناء قراءتي للفصل الثالث تحديدًا والمُعنوَن الحجاب، قد استوقفتني بعض السطور وما بينها؛ ففي هذا الفصل، وهي قصَّة أدبيَّة قصيرة عمومًا، يتفحَّص أديبنا بأسلوبٍ قصصيّ وفنيّ النظرة الغربية الأوروبيَّة للمرأة والحجاب، والنظرة الشرقيَّة العربيَّة كذلك، ولكي نستدلّ على ما نتفق معه وما لا نتفق، ينبغى أن نعرف السياق التاريخي أو التاريخ الاجتماعي الحديث لفِكرة الحجاب المُتجذِّرة عندنا نحنُ العرب، دون أن نخوض في أي نقاش ديني يقتضي معرفة أصل الإلزام، سواء كان هذا فرضًا أم لا، فهذه مسألة مُلتبسة وذهبت بكل شخص حقَّق فيها ما ذهبت، فضلًا عن أن هذا الأمر لا يعنيني كإنسان يهمَّه دائمًا وأبدًا قيمة الإنسان وحريَّته فوق كل شيء، لذلك كان من الأولَى أن نتناول هُنا قِصَّة الحجاب في مصر وبعض اللمحات عنها في بعض الدول العربيَّة، بنظرة سريعة تاريخيًا، أيضًا مراحل التحوُّلات المُختلفة سياسيًا واجتماعيًا إلى أن أصَبحَ لِزامًا على المرأة المصرية والعربيَّة المُسلِمة، والتي صِرنا نُميِّزها عن غير المُسلِمة وفقًا لغطاء الرأس، وهذا ليكون لدينا إلمامًا تاريخيًا بالموضوع.

في البداية كانت المعارك الفكريَّة في مصر قائمة بين من يرى أن خلع المرأة للحجاب ليس خروجًا من الإسلام، ولا يمسّ ذلك من إسلامها شيئًا، وبين من يرى أن المرأة لا يصحَّ إسلامها بدونه وذلك هو الطرف الديني في القضيَّة، أما الاجتماعي مُتمثِلًا في البيئة الثقافية السائدة، فكان أيضًا مُناصرًا لهذه الحجة الدينيَّة ولكن بوصف المرأة كائنًا تابعًا للرجل، فكانت الحياة الاجتماعيَّة ليست جيِّدة بالمرَّة بالنسبة لوضع المرأة في المُجتمع، ومن جانبها كان الرضوخ والاستسلام عاملين ساهما في تفاقُم هذا الوضع، هذا على الجانب النظري والفِكري، والذي كان قائمًا على تقويم المُفكرين من جانب، ورجال الدين من جانب آخر لوضع المرأة، وتمثَّل ذلك في كتابات قاسم أمين ودعم الشيخ محمد عبده، وأحمد لطفي السيد، وسعد زغلول له، أيضًا كتابات مرقص فهمي كانت ضمن الكُتب التي ثار عليها المُجتمع فيما بعد. أمّا على الجانب العمليّ فتلعب صفية زغلول زوجة الزعيم الوطني سعد زغلول دورًا قياديًا في هذه المرحلة (عام 1919)، حيثُ كانت تقود المظاهرات النسائيَّة للتنديد بالاحتلال الانجليزي والمطالبة بالاستقلال، وفي خِضَم هذه الأحداث، وفجأةً، وبدون أي مُقدِمات، قامتْ صفيَّة زغلول ومَن معها بخلْع النِّقاب ووضَعْنه تحت أقدامهنَّ ثم قاموا بحرقه، وبالتالي نزع غطاء الرأس بعد ذلك، وكان هذا في ميدان التحرير (الإسماعيليَّة آنذاك)، وبذلك تفتَّح عهدًا جديدًا كانت بدايته في مطلع الثلاثينات وأصبحت المرأة دون حجاب، ولم يصدر في مصر أي قانونٍ رسميّ لمنع وكشف الحجاب أو فرضه بل ظلَّت الأمور مُنسابة، وبقيت قضية الحجاب مسألة شخصيَّة لا تعني السُلطة أو المُجتمع في شيء، هذا على عكس بعض الدول التي شددت على ضرورة المنع الجبريّ في هذه الفترة، مثل تركيا لمنعها الحجاب في المؤسسات العامّة بين العام 1923 و1950، قبل أن يتحول الأمر إلى قانونٍ رسميّ بعد الانقلاب العسكري في العام 1980، في سبيل تطبيق الاتجاه العلماني الذي أرتأى أتاتورك أن الحجاب يُشكِّل عقبةً رئيسة له، كذلك كان موقف تونس عدائيًا كما كانت تركيا تجاه الحجاب، وتحديدًا بعد أن صدر قانون حظره في عهد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة عام 1981، وقانون المنع أيضًا في إيران في يناير (كانون الثاني) عام 1936 بناءً على اقتراح الشاه رضا بهلوي. وهذا يعني أن الوضع المصري كان يُعتبر الأفضل من بين هذه النُظم والأساليب القمعيَّة، وظلّ الأمر في مصر كذلك حتّى نهاية الستينات وبداية عقد السبعينات، حيثُ حدث في هذه الأثناء أن طلب حسن الهُضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين من الرئيس جمال عبد الناصر فَرض الحجاب على نساء مصر، وقوبل هذا الطلب من جانب عبد الناصر بالرفض التام والسُخرية منه.

وجدير بالذكر أن بنات وزوجات أشهر مشايخ هذه العقود كانوا لا يرتدين الحجاب، مثل الشيخ الباقوري والشيخ أبو العينين شعيشع والمرشد العام حسن الهُضيبي نفسه وغيرهم كثيرًا، ومع مطلع السبعينيات أصاب العالم العربي ومصر على وجه التحديد تراجعًا ثقافيًا شديدًا، بدأ مع ما يُعرف بدعاوى الصحوة الإسلاميَّة، والتي بدأت تقريبًا في عام 1970، وتتجلى في التقوى الدينيَّة واعتماد الثقافة الإسلامية كاللباس، والمصطلحات، والفصل بين الجنسين، والتعبير والرقابة على وسائل الإعلام، والإلتزام بالقيم والأخلاق من منظور الدين الإسلامي، وكان أشد تطبيقًا لهذا المُصطلح هي إيران بعد الثورة الإسلاميَّة الإيرانيّّة عام 1979، حيثُ تمّ سن قانونٍ يفرض الحجاب على المرأة الإيرانيَّة عام 1984، وتواجِه كل من تخالِفه عقوبة الجَلد أو دفع غرامةٍ ماليَّة، أمّا في مصر فكان انعكاس هذا المصطلح على الصعيد السياسي لا يقل بشاعةً عن باقي الدول العربيَّة والإسلاميَّة؛ إذ تزامن ذلك مع فترة الانفتاح السياسي في عهد الرئيس أنور السادات، ومرحلة الحوار المُشترك بين جميع الأطياف السياسيَّة، وكان لفتح الباب أمام التيارات الإسلاميَّة السياسيَّة في عهده وإعطاءهم الشرعيَّة من الدولة لممارسة الحق السياسي، نكبةً على المُجتمع المصري بكل المقاييس، حيث أضاف السادات – بعد أن تعهَّد بالامتثال للشريعة الإسلاميَّة تلبيَّةً لمطالبهم – في التعديل الدستوري عام 1971 وبعد منه عام 1980 البند الثاني من الدستور المصري الحالي، الذي اقتضى جَعل الدين الإسلامي هو دين الدولة، وجَعل الشريعة الإسلاميَّة المصدر الرئيسي للتشريع فيها، ومن هُنا كان بداية ظهور تأثير الإسلاميين في البنيَّة الاجتماعيَّة والثقافيَّة، حتَّى عاد الحجاب والنقاب إلى الشارع المصري مرَّةً أخرى، وتوالت عمليات الإرهاب، وزاد التشدد الديني والعُنصريّ، وتم تحريم كل شيء تقريبًا، فضلًا عن الفتاوي التي صَدرَت تُبيح إهدار دِماء المُفكرين والمُثقفين وتحُض على قتلهم واِغتيالهم، مثل اغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، واِغتيال السادات نفسه الذي أعطاهم هذا الدور السياسي المؤثِّر، وشهد المُجتمع المصري صدعًا وشرخًا لم يلتئم إلى اليوم، وأصبح التمسُّك بالمظهر أهم من المعنى نفسه، وكان من الطبيعي نتيجة ذلك أن تسود الازدواجيَّة في التعاملات الاجتماعيَّة بين الأشخاص، وأن يقع المرء ضحيَّة التناقض الدائم بين أخلاقه وذاته الحقيقيَّة وبين ما يُبديه ويُظهره للمُجتمع. ونستنتجُ ونستدلُّ من كل هذا على أن الحجاب أمسى فرض اجتماعي وليس مسألة شخصيَّة.

  • خريطة توضِّح الانتشار الجغرافي للحجاب على المستويات القانونيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة.

نأتي إلى المنفلوطي وقصَّته القصيرة الحجاب، هي كما قُلنا الفصل الثالث من كتاب العَبَرات. دعونا لا نختلف عن طبيعة العمل من حيث كونه عملًا فنيًا رائعًا كعادة المنفلوطي – مع الأخذ في الاعتبار نسبيّة التذوق الأدبي لكل شخصٍ مِنَّا – ولكن من حيثُ كونه رسالة أو وجهة نظر، فهُنا يأتي تضارُب الآراء الحقيقي، وبالنسبة لي تُعتبر نظرة المنفلوطي للمرأة في هذه القصّة بالية وقديمة إلى أقصى حدّ، وُمُتحيِّزة إلى سُلطة المُجتمع على الفرد ضد حريِّة الفرد نفسه، وربما غلَب على المنفلوطي نزعة الرجل الشرقيّ فيها، المتأثِّر بقيم مُجتمعه ومعاييره الأخلاقيَّة وعاداته وتقاليده، الباليَة هي الأخرى، وأذكُر أنني غلَبَ عليّ الشعور بالامتعاض وأنا أقرأ، لا أعرف لماذا!، ربما لتشبيهات وعبارات المنفلوطي المُنفِّرة؛ فيُشبِّه المرأة مرَّة بالشاه التي تحتاجُ إلى راعي، وأخرى يقول بأن التهذيب أنفع للمرأة من العِلم، وضرورة اِختيار الآباء الأزواج لبناتهم، ونفيه بأن المرأة قادرة على إصلاح نفسها، وقوله أن الرجل أقدر على إصلاحها من نفسها، والعبارات التي تُصرِّح ضمنيًا بأن حريَّة المرأة تُعتبَر قضية هامشيَّة لا تستدعي كل هذا الاهتمام وما إلى آخر ذلك، مثل هذا الكلام لا أُصدِّق أن يصدر عن المنفلوطي، ولن أتنكَّر لبعض الجوانب المنطقيَّة في كلامه، عن قوله بأن لكل تربة نباتًا ينمو فيها، ولكل نبات زمنًا ينمو فيه، هذه الحقيقة تنطبق على شخوص مُجتمعنا؛ فلو حدث وحاول شخصٌ ما أن يخرج عن سياق مُجتمعه ويُطبِّق حريِّة المرأة على أهل بيته مثلًا، سيصبح شاذًا عن مُجتمعه ومُغتربًا فيه، فضلًا عن كمّ الإهانات والتُرهات التي سيسمعُها في غدواته وروحاته، وسينتهي به المطاف في النهايَّة كما انتهى بصاحبنا في هذه القصَّة – لمن قرأها – إلى أضحوكة؛ فالشذوذ عن العُرف الاجتماعي بحدّ ذاته وإبداله بآخر مجلوب من سياق بيئة أخرى هو الذنب الذي لن يغفره له المُجتمع. وهذا لا يعني أنني أوافق على هذا الكلام، بل أن هذا هو الذي يحدُث فعلًا إذا حاول الشخصُ مثلًا التفكير خارج الصندوق، أو التعبير عن رأي مُخالِف في أي شيء، أو محاولة ممارسة حريته في الشارع المصري. وفي ذلك تعزيزًا لتقوية ورفع الأسوار بين المُجتمع والآخر وتحصينًا ضد تيار العولمة المُذيب لكل الفروق والحواجز الثقافيَّة والاجتماعيَّة بين هذا المُجتمع وذاك.

الحجابُ بالنسبة ليّ يتجاوز الشكل الظاهري للرأس سواء أكانت مُغطاة أم لا! الأمر يتعدَّى ذلك، بل هو دليلٌ وطرف خيط على وجود سُلطة اجتماعيَّة مؤثِّرة أو فلنقل مُهمينة في المُجتمع المصري، والخارج عليها لا يستحقَ الوجود. النقلة من مُجتمع حُر ونزيه، إلى مُجتمع مقهور ومنافق هي التي تعنيني، والأمر لا ينسحب على المرأة وحدها كما قُلنا، وإنما على أي فِعل خارِج عن ما يريده المُجتمع. وأرى في رأيي أن أي شيء يخصًّ كيان المرء، لا يجب أن يتدخل فيه أحدًا ويفرض رأيه مهما كانت سلطته ومزاياه المخوَّلة له، ولكن الإنسان هو الذي يستطيع أن يكون being، مُتخطيًا لكل الحواجز، ومواجهًا لكل الفروض والقيود التي لا رأي له فيها، لإثبات وجوده وكيانه، البداية بالتمرُّد كما يقول كامو، التمرُّد ليخلِق المرء ذاته ويوجِد المعنى الخاص به، التمرُّد على الصياغة المجتمعيَّة للفرد وقولبته بأن يصير فردًا ضمن القطيع. فالحريَّة كما يقول أيضًا جان بول سارتر عنها ليست صفة مُضافة أو خاصية من خصائص طبيعة الفرد، إنها تمامًا نسيج وجود الإنسان عينه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد