سرح الكاتب بخيال قلمه فطاف عوالم الأرض أجمع، سافرت شخصيات روايته من عالم لآخر بحثًا عن قوة الشر الموجودة بمملكة غابرة مدفونة بالزمن بين عالمين، عالم الإنس وعالم الجن.

زوجتي من الجن، ليست رواية أو قصة عادية كغيرها من التي تتداولها يوميًا، بعد قراءتك لها عليك أن تخرج من بين عوالمها محملًا بعديد من الصفات الإيجابية وحتى السيئة منها، وتنثر الخيال المتشبك بها، وليس كل القُراء يستطيعون ذلك، هم قلة وفريدون.

متشابكة خيوطها؛ فهي لا تُفصح عن طبيعة مسارها، ليست خطًا مستقيمًا؛ فتتبعه، ولا حدثًا واحدًا فتُلم به، لا تدور أحداثها حول قصة زواج إنسي من كونية كما يوحي العنوان، إنها أكبر من ذلك! تُلامس القلب وتعبث بالعقل.

زوجتي من الجن، رواية خبيثة إلى أبعد حد، تحمل قيمًا تستحي منها القيم، دروسها من أقسى الدروس التي شهدتها مخلوقات الأرض، بشرية كانت أم كونية.. وليفهمها القارئ فعليه التجرد من كل معالم القراءة العادية، والتخلص من كل الشكليات الواهية، أن يقرأها بمنظور معقلن، بعقل مجرد.. أن يكتشف سر الأسطر، فيقطف من ثمارها الناضجة ولا يأبه بما فسد منها، أن يكتفي بما سينفعه ويترك ما سيجلب له التراكم والفراغ.

تعلمك الرواية إن قرأتها حق قراءتها كيف تكون صريحًا ووقحًا، كيف تعترف بكل مساوئك دُفعة واحدة، وتستحضر رقابة لا تنام ولا تغفو لتعبث معها، فهي حاضرة معك دائمًا تراقبك لا محالة، تشعل نيران القلق تجاه أي ذنب اقترفته، وتوقد عذاب الضمير بداخلك، في الوقت ذاته تُبسط من حجم مساوئنا وترغمنا على تقبلها واستصاغتها.

كما نعلم فعالم البشر أعلى رتبة من جميع العوالم، وعالم الجن أدناها، لكن الكاتب يكابر في هذه الرواية بعالم الجن، ويبين مدى تشبث الكونيين بالقيم، واحترامهم للقاونين وتقديسهم لها، عكس عالم البشر الذي يضج بالحروب والأوهام فلا يعرف وفاء ولا صدقًا ولا إخلاصًا، القيم ما هي إلا أسماء سموها.. تبتعد عن النفس البشرية بأميال، كيف لا وقد خُلقت لتكون مجردة، وتُعشش في كلماتهم وعلى رؤوس أقلامهم، تتقاذفها صفحات كتبهم، وما إن تراودهم عن أنفسهم حتى يقولوا: هيت لك! ويهربوا منها يخشون أن يُصابوا بعدواها.

يحتقر الكاتب البشر ويبين مدى خبثهم وخبث عالمهم، وكم باستطاعتهم أن يكونو ايجابيين إن هم أرادو.. محاولا استفزاز البشر، عل الروح تدب فيهم!

تعالج الرواية شخص البشر الشخص، وشخص البشر الجماعة،فتبين تمازج مشاعر البشر وتضاربها، بحيث لا يدرك الشخص أهو يحب أم يكره، أهو يحقد أم يحب أكثر من شخص دفعة واحدة، وتبرع الرواية في إبراز قابلية البشر على الخيانة؛ لأنهم ينقادون وراء شهواتهم، فلا يراعون مجتمعًا ولا معتقدًا، فقط شهواتهم من يراعون، يسارعون في إلفاق أخطائهم بالغير مهما بدت بشاعتها هاربين من تأنيب الضمير، إن كان لهم! وإن حدث ولم يفلحوا في ذلك عاتبوا الظروف واحتجوا بغاية يريدونها وما كان ذنبهم إلا وسيلة للوصول محاولين ان يبدوا أبرياء ما أمكن، هذا يصب في شخص البشر، أما عنهم جماعة فهم ساذجين لأبعد حد.. طماعين لأبعد حد.. ولو كان طمعهم على حساب هلاكهم، عقلهم خامل، لذا فهم بلا سلاحٍ مسالمون، هالكون لا محالة، يركضون وراء المادة لإرواء طمعهم الذي لا يرتوي، غير آبهين لشيء.

بينما الجن فهم على النقيض، هم العالم المثالي.. صريحون حد الوقاحة، صريحون حين يتعلق اللامر بذنوبهم، يتحملون مسؤولية خطاياهم ولا يُلفقونها بأحد، ولكل شيء لهم سبب، ولسّبب دافع يفسرونه، يجيدون فن كلام، تستطيع أن تشبههم بالسوفسطائيين.. أفرادًا وجماعة.

عالجت الرواية ظاهرة الفضول التي يتقاسمها الجن والبشر سواء، على يد أبطال الرواية اللذان تخطو المستحيل وتمردوا على كل شيء في عالميهما المختلفين لإرضاء فضولهم والإجابة عن أسئلتهم، كما تعد الرواية حافزًا لتحقيق المراد، وتدافع عن الكبرياء الذي لا يجب أن يكسر.

في الرواية شيء كبير من الأسطورة يداعب خيال القارئ، شيء من الواقع وشيء من الخيال يتمازجان ليشكلا فجوة عميقة تسقط فيها الأحداث، ما تنفك تخرج منها لتتبع حلقاتها حتى تسقط في فجوة أعمق، وقبل أن تصاب بالممل وتستشعر رتابة الأحداث حتى تنقلك الكلمات إلى عوالم أخرى تقف مندهشًا أمام عجائبها، وما إن تتلاشى تلك المسحة من الغرابة ويغدو العجب بديهيًا، والغريب روتينيًا، ويأخذ الكل مكانه الاعتيادي حتى تتقاذفك أمواج الخيال مجددًا فلا يتوقف التشويق ولا ترسو سفينته إلا على نقطة النهاية، ذلك الشاطئ الفسيح الذي يجعلك تتمرغ في رماله الكثيفة، فاتحًا مجالًا أوسع لخيالك في تخمين ما ستفعله قوة الشر بالشخصيات، بعد أن منحتك الرواية جرعة من الدروس، ولقنتك الكثير في دروب فصولها، وحرضتك لهذه اللحظة التي عليك فيها أن تحدد مصير عوالم الرواية بشخوصها اللاعادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد