أنس خالد 54
أنس خالد 54

  إسقاط طائرة الـ(إف 16) الإسرائيلية بوسائط الدفاعات السورية على الأرجح في الأيام الماضية، لا يخلو من الدلالة، ربما تختلف بين من يحبون بشار الأسد حبًا شديدًا، ومن يكرهونه كراهية الموت، لكن الثابت فيها، والذي يجتمع فيه ويجمع عليه من يكرهون بشار الأسد كراهية الموت ومن يحبونه، هو أن إسقاط الـ(إف 16) أحدث ارتباكًا وخيبة غير متوقعة في جيش الدفاع الإسرائيلي المحتل الذي يتوهم القوة المطلقة، والذي يتوهم أن الأجواء العربية كلها متاحة أمامه، وهو الشيء الذي ربما يجعله – بعد إصابته بالخيبة – يعيد حساباته جيدًا قبل التفكير في القيام بأية أعمال عدائية أو ضربات استباقية، ومن ثم فإن هذه العملية على محدوديتها – فيما أرى – قلبت الموازين العسكرية بين الجانبين، وكشفت في الوقت ذاته أن من الممكن تحييد سلاح الجو الإسرائيلي، حتى وإن كان بنوعية صواريخ سام 5 التي خرجت من الخدمة وانتهى عمرها الافتراضي.

  بالنسبة للذين يحبون بشارًا، فإنهم على الأرجح يرون أن إسقاط الطائرة المقاتلة مناسبة جيدة لإظهاره بصفة المقاوم التي يخلعونها عليه؛ لأنه جمع بين مقاومة شرين مستطيرين، وهما الثوار المعارضين أعداء الوطن والدين والإنسانية من ناحية، وإسرائيل بكل جبروتها وطغيانها من ناحية أخرى، وأن سوريا الأسد لتدخر مزيدًا من المفاجآت الموجعة والمؤلمة لإسرائيل المعتدية، بالرغم من حروب الاستنزاف التي يتعرضون لها (لاحظ أني أستخدم نفس المسميات التي يوصفون بها عمليات القتل والإبادة والتطهير التي تتم بحق السوريين الأبرياء على مدى سبعة أعوام، وحرب الاستنزاف هو الوصف الذي وصف به أيمن سوسان مساعد وزير الخارجية في تعليقه الأخير على عملية إسقاط الطائرة الإسرائيلية، وصف به الحرب في سوريا بأنها حروب استنزاف! مع أنه لا أحد غيره يوصفها بوصفه!) وهم يعتقدون أنه على العدو الإسرائيلي أن يحسب ألف حساب لدور قوي محور المقاومة والتنسيق، وأن هذه العملية هي نموذج محدد لقدرات سوريا والمقاومة المتعاظمة، وعلى الإسرائيليين والأمريكيين أن يأخذوا ذلك بعين الاعتبار في أية مواجهة مستقبلية!

  وبالنسبة للفريق الآخر، وهم الذين يكرهون بشار الأسد كراهية الموت؛ لأنه حارب البشر حربًا لا هوادة فيها، ولأنه أكبر قاتل عرفته البشرية، ولأنه أهلك الحرث والنسل، وأعدم البشر والحجر معًا طمعًا في بقائه وانفراده بالسلطة، وتحالف مع كل القتلة والشياطين من أجل ذلك، فإنهم أيضًا يباركون هذه العملية ويمجدونها تمجيدًا كبيرًا، لا لشيء إلا لأنها أسالت شيئًا من دماء الغطرسة والجبروت الإسرائيلي الذي يحتل الأراضي المباركة، وأدخلت جزءا من الرعب في قلوبهم، واضطرتهم لفتح الملاجئ وإغلاق مطار تل أبيب لعدة ساعات، ومع هذا فإن الأثر الذي أحدثه الصاروخ المبارك لكلا الفريقين الذين يقفون إلي جانب بشار الأسد، والذين يقفون ضد النظام المستبد، بل لكل مراقب هو أثر واضح لا تخطئه العين ولا ينكره إلا مكابر.

وأرجع إلى دلالة أخرى

  أيًا ما كان الفاعل في تدمير طائرة الإف 16، سواء كانت وسائط الدفاعات السورية أو العناصر الإيرانية أو القوى الروسية الضاربة، فإن من المؤكد أن عملية تدمير الطائرة – كما يقول الخبراء والمراقبون – كان بفرضية توزيع النفوذ والحدود داخل سوريا لكل اللاعبين الروس وإيران والولايات المتحدة، ومن ثم إعادة تشكيل المنطقة، خاصة بعد ازدياد النفوذ الإيراني في جنوب وشرق سوريا، وهذا – فيما أرى – أيضًا له دلالة لا تخطئها العين، وهي أن بوادر الاختلاف والشقاق ربما تكون قد بدأت تشق صفوفهم، ومن غير المستبعد أن تتكرر هذه الاعتداءات والاحترابات فيما بينهم.

أما آن لأشواقنا أن تتحقق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك