ليس الموت غريبًا عن أي منا، ولن يكون. يموت من البشر العديد كل يوم، بل ربما في كل لحظة، في دورة منتظمة لم تتوقف قط منذ بدء الخليقة، وحتى لحظة كتابة هذه السطور وما بعدها. عزرائيل يحل ضيفًا في كل لحظة على قريب لنا أو بعيد؛ ليقوم بدوره الذي لا يعرف غيره، مذكرًا إيانا بآخرة هذه الحياة الدنيا، وأن نهاية أي منا قد لا تكون بعيدة كما نحب دومًا ونظن. عن الرجل الذي مات سمعت. لم أره قط، ربما لأنه قد مات حتى قبل أن تأتي ساعة مولدي. لا أعلم بالضبط متى توفي، ولا متى ولد. ما أعلمه هو أنه كان والدًا لأحد الأقارب، وأنني ما انفككت أسمع عنه كل خير.

يا من يشير إليهمُ المتكلّمُ
وإليهمُ يتوجّهُ المتظلّمُ
وعليهمُ يحلو التأسفُ والأسى
وتلذ لوعاتُ الغرامِ المغرمُ

 يتوغل الموت في حياة المرء حتى يصبح كالضيف الثقيل لا يبرح مقيمًا في كل زاوية لا يغادرها، إلا ليختطف أرواحًا، أو يمزق قلوبًا، أو يثير أحزانًا. ماذا تعني حياة لا يترك صاحبها فيها أثرًا لمن بعده أو ذكرى؟ ماذا هناك أفضل من ذكرى عطرة يتحلى بها المرء بعد صعود الروح لبارئها وهبوط الجسد إلى مثواه؟ لن يتوانى عزرائيل عن حصد أرواح كانت يومًا  لمن حولها مصدرًا للفرح، وسببًا للفخر، وداعيًا للأنس.

هذا الوجود وإنْ تعدد ظاهرًا
وحياتِكم ما فيه إلا أنتمُ
وشغلتم كلي بكم جوارحي
وجوانحي أبدًا تحن إليكمُ

ثلاثون عامًا هي ما يفصل اليوم عن وفاة الرجل. لن تسمع عن إنجازه، ولن تقرأ عن تضحيته، أو تشاهد توثيقًا لإسهامه. ترى كم من البشر ذهب في تلك الأعوام الثلاثين؟ من منهم عرفت؟ من منهم أحببت؟ لمن منهم وددت لو عاد الزمن واعتذرت؟ كم أب فقدته أسرته! وزوجة فارقت حبيبها! وابن فقدته أمه! وشاب ترك أخاه! ثلاثون عامًا! تفصلنا عن الرجل الذي مات، ومات معه آخرون كانوا للجمال عنوانًا، وللعرفان خير دليل.

وإذا نظرتُ فلستُ أنظرُ غيرَكم
وإذا سمعتُ فمنكمْ أو عنكمُ
وإذا نطقتُ ففي صفات جمالكم
وإذا سألت الكائناتِ فعنكمُ

عن المحامي الذي مات تاركًا موكليه في التيه، والطبيب الذي رحل عن مرضاه وهم في صراخ الألم، والحانوتي الذي فارق تكفين الموتى في النعوش ودفنهم تحت الثرى، والمعلم الذي غادر تلاميذه وهم لم يهتدوا بعد للنور، والإمام الذي انتُزع من بين جنبات مريديه قبل اكتمال الدرس، والمهندس الذي ودع حياة التصاميم وإبداع الرسوم، والسائق الذي سافر إلى عليين، وركابه ما يزالون في شكوى الزحام، والانتظار، والكاتب الذي لقي الحتف مخلفًا لقرائه إرث السطور والكلمات تفصلنا تلك الأعوام الثلاثون.

وإذا سكرتُ فمن مُدامة حبكم
وبذكْركم في سكرتي أترنّمُ
وإذا نظمتُ تغزلاً في صورةٍ
فلأجل حسنكم المحجّب أنظُـم

عن هؤلاء الذين ملؤوا حياتنا رحمةً وبهجةً، عن أولئك الذين ما فتئنا نتذكر أيام أنسهم، وذكريات حسنهم، عن أولئك الذين اصطفاهم الحق إلى جواره فأراحهم من مشقتنا وعذبنا ببعدهم، عن من ولدوا فأبدعوا، ومن أبدعوا فأبهروا، ومن أبهروا فانحنوا وتواضعوا، عن الذين قضوا حوائج الخلق دون تكبر أو تململ، ولم يخشوا تبعات انحيازهم. عن من وقفوا إلى جوارنا وقت ضعفنا وصدقوا في حبهم لنا مثلما لم يفعل أحد، عن من دافعوا عنا، وأغدقوا علينا بجل الحنان والعطف، دون أن يلقوا بالًا لهجوم من حاسد، أو ابتزاز من حاقد، أو ضغط من فاسد. عن الذين أخلصوا في محبتنا عن طيب خاطر من غير علة أو تبرير.  عن من لو جئناهم بكنوز الدنيا ما وفيناهم حقهم، ولا أعطيناهم قدرهم. عن من لو قطعناهم إربًا ما ازدادوا فينا إلا حبًّا لا يبغون منا جزاءً ولا شكورًا. عن من لا تنمحي ذكراهم من الوجدان، ولا تتلاشى محبتهم من الأفئدة، ولا تغيب صورهم عن الأعين، تفصلنا ثلاثون عامًا مضت ولن ترجع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد