في فيلم البريء، يطارد سبع الليل رشاد عويس في محاولته للهرب من السجن، ويقتله بعد محاولة يائسة من رشاد عويس لإفهامه أثناء الصراع أنه لا يفهم شيئًا، لم يبد أن التفكير في الأمر كان واردًا لسبع الليل، بل بالعكس، كان منتشيًا وفرحًا بأنه قتل أحد الأعداء -لا كما قيل له- وصار بطلًا بعد مكافأته من قيادته، لكنه لا يتخذ الموقف نفسه مع حسين ابن الحاج وهدان الذي زج به كأحد الأعداء الجدد في السجن نفسه، يحاول سبع الليل عبثـًا أن يوضح الأمر، يلقي بنفسه إلى المصير نفسه، الضرب المبرح والسجن مع من يدافع عنه، يلطم ويصرخ بعد أن يستمع من ابن الحاج وهدان ما امتنعت أذناه عن سماعه من رشاد عويس: «ده أنا قتلت واحد منيهم، ده أنا قتلت واحد منيهم»، يحتضنه ويحتويه حسين ابن الحاج وهدان باكيًا كأنما يعذره أو يسامحه عن جريمته، وينتهي المشهد به ميتًا بلدغة ثعبان ألقي في الزنزانة على سبيل العبث والتعذيب لهما في صور قوية لحجم الظلم والقهر في تلك الحقبة السوداء في تاريخنا التي يبدو أنها تستنسخ مرة أخرى.

لم يخالف سبع الليل الأوامر، فلا يوجد شيء اسمه أمر بأن تكون مجرمًا، ولم يخالف ابن الحاج وهدان  مبادئه، فمن العقل والحكمة والدين التمييز بين أن يكون الشخص عالمًا بالأمور ثم يتعمد أن يفعل جرائمه، وبين أن يفعلها عن جهل، بل أيضًا بين من يفعلها ويبدي الندم،؛ فليس كلاهما سواءً.

أحيانًا حين تصل الحقيقة ليد الظلم الباطشة تتوقف عن بطشها، يعلم سبع الليل يقينـًا أن حسين ابن الحاج وهدان ليس عدوًا، ولو علم الشيء نفسه عن رشاد عويس لما فعل فعلته، أسأل نفسي كيف يصل هذا الوعي للأيادي الباطشة الآن وهم يرون الآلاف من رشاد عويس وليس فيهم واحد من ابن الحاج وهدان مع أن من المفترض أنهما سواء؟ هنا تستحضرني مقولة غاندي «مقتبسة من الفيلم»: «إنك تحارب لتمتص غضبهم، لا لتثيره»، هم لا يعرفونك، إذن فلتسلك طريقـًا لذلك؛ فلن ينفعك الصراخ في وجههم ولا الصراع معهم.

إذا كانت المثاليات -إن كان ذلك مثالية أو «سهوكة»-  تثير سخريتك فلم النداء بالسلمية من الأصل؟ لكن ذلك في الحقيقة هو عين الحكمة، أصبحت المظاهرات شيئًا قميئًا يكرهه الناس، حتى لمن منهم على يقين بعدالة وموضوعية المطلب، ثم أصبح عدم جدواها يقينـًا عند الكثير، لا تتمثل بأن الأمر الآن إجباريًا بعد السيطرة الأمنية على الأمور، فقد وصل العوام إلى هذا اليقين منذ أكثر من أربعة أعوام، إذا كانت الجعبة فارغة من حلول أخرى فلم التصدر إذن؟ حتى ولو كان لها كثير من النتائج الإيجابية كإجبار المجلس العسكري على تسليم السلطة مبكرًا عما كان يرغب، وبدء محاكمة مبارك، كان يجب اللجوء لأدوات أخرى تستهدف توسعة الوعي والمعرفة لدى الناس، فأنت لن تسيرهم رغمًا عنهم، نرى شيئًا من ذلك الآن في حلقات «ألش خانة» و«البلكونة» و«فيتو»، وإن كان الأمر متأخرًا- وهو دليل على غياب الاهتمام إلا حين الفاقة- فذلك أفضل من لا شيء.

أخطأ الجميع، كان الحديث عن المصالحة أيسر كثيرًا بعد أيام الثورة الأولى، لكنه كان مرفوضًا من الموجة العالية للثورة، فلما أَفَلَتْ صارت المؤسسات الأمنية الآن بدورها تكابر بالرفض، كيف لا وقد استجمعت واستحكمت سيطرتها أضعاف ما كانت عليه في عهد مبارك، و كما قال الدكتور ناجح إبراهيم، كلما حكمت أمة أقصت أختها.

وبمناسبة ذكر الموجة العالية للثورة، فإنك إذا سألت أشد كارهي وزارة الداخلية حينها إن كان يؤمن بأن فيها من الشرفاء ونظيفي اليد والتاريخ الكثير فسيجيبك بالتأكيد، لكن إذا سألته ماذا قدمت الثورة لهؤلاء فلن تجد إجابة مقنعة مرضية، ليس لي، لكن لهم، ولا تظن أن مجرد رفع صورة اللواء البطران يجبر خاطرهم، فهم الذين طالتهم نار الكراهية والهجوم على الوزارة وحملوا من الكراهية تجاه الثورة ما حملوه بسبب هذا التعميم الظالم الذي شملهم دون وجه حق؛ ففي الوقت الذي تجد فيه توثيقـًا لجرائم الداخلية ومساوئها وضحاياها لا يوجد أي مجهود يذكر -من خارج الوزارة- لتوثيق شيء من تضحيات بعض رجالها أو شيء مما يسجل بالحبر الأبيض في صفحاتها السوداء على أسوأ تقدير.

يحدثني أحدهم – وهو برتبة عميد- أنه أصيب في أشد فترات الانفلات الأمني بعد الثورة في عملية لمطاردة قاطعي أحد الطرق الصحراوية بعد أن أبت نخوته أن يستسلم لضعف القدرات الأمنية ونُصْح الآخرين بعدم المجازفة ومواجهتهم لعدم وجود معلومات كافية عن عددهم وقدراتهم، أصر أن يدبر كمينـًا لهم كاد أن يودي بحياته في المواجهة معهم ثم بعد كل ذلك استطاعوا الفرار، لكنهم والحمد لله لم يعودوا كما كانوا للطريق نفسه مرة أخرى، يحدثني أنه لم يجد شيئًا من التقدير من خارج قياداته، حتى وإن وجد، كان الخطاب الإعلامي حينها يحبطه كأنه لم يفعل شيئًا، لعل هذا عمله وواجبه، لكن لماذا يجد هذا الكم من الكراهية والنقد ممن حوله ومن يقابلونه وفيما يراه من تعميم تام في الإعلام، انتهى الأمر بمحاولة إعلامية منحازة ضد الوزارة تريد أن تظهر الأمر في صورة الانفلات الأمني فقط -وإن كان حقيقة- وأن يصور هذا المجهود في شكل فردي بحت، وهو ما أبت عليه نخوته أن يقبله، فهو يرى أولًا و أخيرًا أنه رجل الوزارة ومخلصها.

هل في هذا شيء من التبرير لأخطاء وكوارث الوزارة أو محاولة لسترها؟ الجواب لا، لكنه كان يؤخذ بهذا المحمل في ذاك الوقت ولا شك، ثم كان الذي كان وصار الآن يُقَيَّم مثل هذا الكلام كمشاركة في دماء وتورط في استباحة حريات الآخرين، أذكر ذلك وأنا مدرك حجم الصرع والجنون الذي أصاب هذا الجهاز الآن من البطش والقمع وكم الجرائم الذي سجلت أضعاف ما قامت عليه الثورة وهذا الهوس بإلصاق كل التهم بالإخوان المسلمين، لكن ما كان الحق ليستحيي منه في أي وقت.

للدكتور محمد يسري سلامة -رحمه الله- نبوءة قاسية، لكنها ليست أقسى من واقعنا الحالي، وهي  أن الإخوان المسلمين وخصومهم سيدخلون السجون مرة أخرى، ثم حينها سيجدون الوقت الكافي لمناقشة أخطائهم، هذه النبوءة أقل قسوة من الواقع؛ لأنه إلى الآن لم يتناقش أحد ولم يعترف أحد بما ارتكب من أخطاء في شكل رسمي علني، الدولة المصرية مريضة، وأربابها حولها يتبادلون الاتهامات عمن السبب ويلوح لي أنهم نسوها تمامًا، وقد لا يفيقوا إلا على موتها، ليستمروا بعدها في تبادل الاتهام عمن قتلها، هناك للأسف الشديد من يرى أن ذلك أهون عنده من أن يعترف ويقر بشيء من المسؤولية.

لعل القارئ يرى فيما سبق كثيرًا من التحامل على الثورة، وعلى الإخوان المسلمين دون أن أذكر شيئًا عما ارتكبته الدولة في حقهم، وهي ضلع رئيسي في قضية المصالحة، يسري عليها ما يسري عليهم من مراجعات واعترافات، لكن من يمسك العصا يفقد العقل، ومن يرد التغيير فعليه تحريك دفة المركب لاتجاه آخر، ولعل شعوري أني أنتمي للفصيل الذي كان يرجو للثورة أن تنجح يجعلني أتحامل عليها كأني أتحامل على نفسي.

وما يزال للحديث بقية كثيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المصالحة
عرض التعليقات
تحميل المزيد