أثارت مشاهد حرق الكساسبة حيًّا في قفص معدني مشاعر ملايين المشاهدين حول العالم من هول ما كشفت عنه المشاهد من قدرة الإنسان على التنكيل بأخيه الإنسان، سالت دموع الكثيرين فيما أصيب آخرون بحالة من الصدمة والذهول من هول وبشاعة المنظر.

في مصر كنت أعتقد أن الشعب المصرى لم يعد يتأثر بمثل هذه المشاهد، وهو الذي يتابع يوميًّا مشاهد من الحرق والتنكيل لا تقل بشاعة عن حرق الكساسبة.

فالمصريون يضرب لهم موعد يومي متكرر أمام القفص المعدني لمشاهدة حرق ضحية جديدة كل يوم، حيث يقدم لهم أفراد كتيبة الإعدام مشاهدًا حصرية للحرق والتنكيل على الهواء مباشرة.

وعلى عكس مظاهر الحزن والبكاء والشعور بالصدمة التي قابل بها أغلب المصريين حرق الكساسبة، يقابل الكثير منهم مشاهد حرق المعارضين يوميًّا بمشاعر تمتزج فيها السعادة بالشماتة، وربما يتخللها بعض الزغاريد على الهواء.

قفص معدني اسمه التلفاز، وكتيبة إعدام تتكون من ألمع نجوم الإعلام في مصر، وكل يوم ضحية جديدة من المعارضين يتم إحراقها على الهواء بألسنة ملتهبة باتهامات الشيطنة والعمالة والخيانة.

برامج اتفق مقدموها ومشاهدوها على ضرورة حرق المعارضين مثل الكساسبة على الهواء مباشرة. وتمامًا كما يفعل الدواعش يتم حبس الضحية داخل القفص بلا حول منه ولا قوة ودون أن يكون له حق الرد أو الدفاع عن نفسه، توجه له الضربات والطعنات واللعنات على حلقات قبل أن يتم إحراقه تمامًا أمام المشاهدين على الهواء.

وعلى نهج أفلام الدواعش أيضًا لا يتم إحراق الضحية قبل أن يهيأ المشاهد لتقبل مشهد الحرق، من خلال شيطنة الضحية وتوجيه سيل من الاتهامات بحقها، وتصويرها في هيئة الشيطان الرجيم الذي لا مناص من إحراقه لحماية الملايين من شروره وأخطاره، قبل أن يلتهمهم بأفعاله وأسحاره. يصل المشاهد للجزء الأخير حيث تحرق الضحية وينظر في فخر وإعزاز لكتيبة المخلصين ولسان حاله يقول: “ياريتنى كنت معاهم”.

فهذه فنانة اعترضت على الحكم العسكري للبلاد، وحملت جنرالاته مسئولية دماء أبناء الوطن التي تسال على أراضيه يوميًّا، فانهال عليها السباب واللعنات من أفراد الكتيبة قبل أن يسلط أحدهم عليها جمهوره من المواطنين الشرفاء ويدعوهم للتصدي للرد عليها، فيما توعدها آخر بإذاعة “مشاهد مسخرة ” لها أرسلها له أحد الشرفاء.

وهذا فنان آخر يتم إحراقه على الهواء بعد شيطنته والتحريض عليه. يقول سكرتير نقابته مدافعًا عن قراره الجريء بشطبه من النقابة إن الفنان يقول في إحدى أغانيه “ما بينا شيطان!!” ويتساءل: “بمن يقصد بالشيطان؟!” قبل أن يقفز بمشاهديه إلى نتيجة مفادها أن هذه الأغاني تحرض على قتل الشعب والجيش، ولذلك وجب حرق الفنان الذي كان كل ما يتمناه أن يعيش “إنسان” في وطن يرى القائمون عليه في ذلك المطلب تهديدًا لأمنهم وسلامة كراسيهم.

ولم يقتصر ضحايا الحرق على الفنانين وحسب فهناك لاعبو الكرة ومشجعوها أيضًا الذين قامت أفراد الكتيبة بالتحريض عليهم وشيطنتهم وتوجيه الطعنات لهم طوال شهور قبل أن يتم إعدامهم أخيرًا في قفص حديدي على الهواء، واغتيال كل من يبدي تعاطفًا أو تضامنًا معهم ولو كان لاعبًا قديرًا ذا موهبة فذة.

أمثلة كثيرة، وقائمة طويلة جدًا من الضحايا تضم سياسيين وإعلاميين وفنانين ورياضيين وكتاب ومثقفين مصريين يتم إحراقهم يوميًّا في نهج تجاوز فيه أفراد كتيبة الأذرع الإعلامية كل الحدود والخطوط الحمراء في التعامل مع الخصوم والمختلفين معهم في الرأي، ألسنة لهب بكل ما تحمله الكلمة من معاني تنطلق من أفواههم لتحرق كل من يحيد برأيه عن نهج النفاق والتطبيل والتسبيح بحمد النظام ورجالاته.

مدافع غدر تتنافس لإسقاط كل رأس تحاول أن تحافظ قائمة على شيء من كبرياء زرعته ثورة يناير المجيدة في النفوس، يأبوا إلا أن تخشع كل الرؤوس كما خشعت رؤوسهم وأن تذل كل الأنفس كما ذلت أنفسهم على أبواب التملق والنفاق، وتأبى مصر إلا أن تكون حرة ويأبى شبابها إلا أن يعيشوا مرفوعي الرأس، وتأبى كلمتهم إلا أن تكون كلمة حق في وجوههم أجمعين، رضي من رضي وسخط من سخط، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك