أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم فوز خبراء الاقتصاد ديفيد كارد وجوشوا أنجريست وجويدو إمبينز بجائزة نوبل للاقتصاد لعام 2021. أوضحت الأكاديمية أن الجائزة تكافئ الخبراء الثلاثة على «إسهامهم المنهجي في تحليل العلاقات السببية» وتقديمهم «أفكارا مبتكَرة حول سوق العمل».

هذه الجائزة التي توصف أحيانا بـ»نوبل الزائفة» إذ استحدثها بنك السويد بعد أكثر من ستين عاما من الجوائز الخمس الأخرى (الطب والفيزياء والكيمياء والآداب والسلام)، والملاحظ على جائزة هذا العام أنها منحت كمكافأة على أبحاث ميدانية أمبريقية وليس على أبحاث نمذجة رياضية، مع أن السائد الآن في أبحاث الاقتصاد هو أبحاث النمذجة الاقتصادية الموغلة في منهج البداهة الرياضي، وربما يكون سبب اختيار لجنة نوبل لبحث ميداني في علم الاقتصاد مدفوعا بالرغبة في الابتعاد قليلا عن منهج البداهة لأن سمعة الاقتصاد الرياضي أصبحت في الحضيض خارج دائرة المشتغلين به بسبب ابتعاده عن الواقع بشكل جعل الكثيرين يشبهون الاقتصاديين الرياضيين بمرضى التوحد أو سحرة الرموز.

ورغم هذا، فإن ما توصل إليه الاقتصاديون الثلاثة الحائزون على جائزة نوبل لهذا العام لا يمثل شيئًا جديدا بالنسبة لدارس الاقتصاد إذ لا يعدو بحثهم أن يكون تصويتًا جديدًا على النظرية النيوكلاسيكة في النمو التي تؤكد على أن الاقتصاد الجيد هو الذي «ينمو كل عام بنسبة يتجاوز فيها النمو نسبة التضخم» وهذه العبارة بين شولتين تدرس في كل العالم على أنها حقيقة علمية تؤكدها البحوث كل عام. لكن عندما ننزع المساحيق ونبطل التعويذة السحرية التي تلتف حول العبارة، يصبح معناها هكذا «كي يستمر النظام الربوي الذي يقتات على دماء البشر ينبغي على الاقتصاد الحقيقي (الزراعة، الصناعة، البناء، الطاقة، المعادن، الغابات….) أن يعمل ليل نهار كي يشكل غطاء جديدًا للنقود الربوية التي يخلقها النظام الربوي من العدم، لتضخ هذه النقود مرة أخرى في شرايين النظام الربوي في انتظار العام القادم». والشيء الجديد الذي يمكن أن نقرؤه من وراء جائزة نوبل في الاقتصاد لسنة 2021 هو الرسالة التي أوصلها الباحثون بمحاولة تفنيدهم فكرة الدخل بدون جهد التي طالما رسختها عقيدة المقامرات والربح السريع وفق مذهب ول ستريت، وكأن البحث يقول للعقول والسواعد الشابة التي لازالت لم تنهكها استهلاكية الغرب الربوية هلم إلى الغرب وأنقذوه ولو بأجور مرتفعة قبل أن يلتهمه الصين والأمم الناشئة التي تنافسه.

وإذا كان المثل العربي يقول لا يستقيم الظل والعود أعوج فإن نتيجة البحث لن تغير الوضع البائس للرأسمالية المتهالكة بمجرد الاستنجاد بدماء جديدة سرعان ما تتلوث مرة أخرى بذات الأمراض التي تولدها ثقافة النيوليبرالية الاستهلاكية الربوية السائدة في الغرب، وقد تنبأ الاقتصادي المشهور جون كينث جلبرايث بهذا المصير للمجتمعات الغربية في منتصف القرن العشرين – وكان واحدا من كبار مستشاري الرئيس كنيدي- وحذر من مسار الترف المفرط الذي يعيشه الغرب لأن من شأن الترف أن يدمر الحضارة الغربية في وقت وجيز، وألف في ذلك كتابه المشهور «المجتمع المترف» وفي لقاء على BBC في بداية تسعينيات القرن العشرين قال جلبرايث مجيبا الصحافي حين سأله: هل بإمكان الغرب تجنب المصير الذي تتحدث عنه وهو تحول العلم والتكنولوجيا والصناعة من الغرب إلى الأمم الأخرى فكان الجواب: أعتقد أنه لا يمكن تجنب ذلك المصير، لسبب بسيط وهو أن الغرب حسم خياره في تبنى نموذج المجتمع المترف بغير رجعة.

ومن هنا نفهم أن علم الاقتصاد السائد لن يغير شيئًا من طبيعة الرأسمالية حتى وإن تم دعمه بجائزة نوبل بل على العكس من ذلك تماما، هو يبرهن في كل مرة أنه علم صمم ليكون دائما في خدمة الثروة وليس في خدمة الإنسان، وها هو اليوم في خدمة طبقة الواحد في المائة من المرابين التي تحكم العالم وتحتكر الثروة، مع العلم أن البحوث التي تدعم نظرية النمو اللامحدود التي يشجعها التيار الأساسي في علم الاقتصاد، تناقض تماما نظرية ندرة الموارد التي قال بها الكلاسيك والتي يدرسها طالب السنة الأولى في قسم الاقتصاد، فنظرية ندرة الموارد تنص على أن الموارد في الأرض محدودة لهذا ينبغي التعامل معها برشد عن طريق التوازن في الاستهلاك وقمع الشهوات، بينما تنص نظريات النمو الربوية على تهييج الاستهلاك والتبشير بعالم فردوسي افتراضي يتوسع على الدوام، تزداد فيه الموارد كلما زادت رغبة المستهلكين في الاستهلاك ومن أعوزته القدرة على الدفع فإن البنوك والربا في الخدمة، ولتذهب البيئة والصحة والأجيال وشعوب العالم الثالث إلى الجحيم لأن البقاء للأقوى.

والغريب في مجتمع السدنة من الاقتصاديين أن أغلوطة استدعاء الكثرة (ad populum) لازالت هي التعويذة الأكثر صمودا تجاه تفنيد دعاوى علم الاقتصاد ذات النكهة النيوليبرالية، وهي دعاوى استطاعت أن تقنع الكثير من البشر بنظريات تنتهي في الأخير بتدمير الكوكب دون أن توجه أي تهمة للأفكار المسؤولة عن هذا الدمار، بل إن صناع القرار في البلدان الجائعة ما زالوا يقتطعون من ضرائب الشعوب ميزانيات معتبرة لبناء جامعات وأقسام يدرس فيها العلم البريء «علم الاقتصاد» بشكله المشوه والمعادي للإنسان.

كان المرحوم عبد الوهاب المسيري يرى بأن مفهوم النمو والتقدم الاستهلاكي اللامحدود الذي تكرره كتب ومقالات التيار الأساسي في علم الاقتصاد هو مفهوم يعد ويبشر بالمستحيل، فعندما يتسابق معظم البشر على أهداف يستحيل تطبيقها في الواقع فإن نهاية اللعبة هي حرب الجميع ضد الجميع، فمع ارتفاع سقف الاستهلاك تتصادم رغباتنا الجامحة في الحصول على كل شيء مع قدرات الطبيعة المحدودة على تلبية هذا النمط الاستهلاكي الذي لا تدفع إليه حاجة إنسانية حقيقة بقدر ما تهيجه الإثارة اللاعقلانية للدعاية والإعلان التي يقف وراءها قطاع التمويل الربوي وعقيدة التقدم نحو الفردوس الأرضي الذي بشرت به حداثة العلمانية.

إن تطبيق النموذج الغربي في التنمية والاستهلاك الذي يبشر به الاقتصاديون معناه القضاء على موارد الأرض وقدرتها على التجدد قبل نهاية هذا القرن؛ لأن النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكة الحديثة تفترض أنه بالإمكان تطبيق نموذج النمو والاستهلاك الغربي على كامل البشر، ما دام هناك مصدر يوفر التمويل وهو البنوك وسوق المال، ونسي الاقتصاديون الذين يقيمون الدراسات الميدانية وفق نموذج النمو اللامحدود أن يلتفتوا لدراسات أخرى تؤكد من جهتها أن تعميم النموذج الغربي في الاستهلاك واعتباره هو المعيار العالمي لكل البشر يجعلنا نقف وجهًا لوجه مع الاستنزاف النهائي لموارد الطبيعة حين يتجاوز الاستهلاك قدرة النظام الإحيائي للأرض على تجديد نفسه، فإذا كنا نعلم لحد الآن أن نموذج النمو اللامحدود مبنيٌ على القبول بغزو الطبيعة والسطوِ عليها من طرف نسبة من البشر لا تزيد عن 20% من سكان العالم أغلبهم في أوروبا وأمريكا وهم يستهلكون لوحدهم 80% من مصادرالأرض الطبيعية، فكيف تصبح الأمور ونحن نشاهد أذواق الصين والهند تتبدل نحو النموذج الاستهلاكي الغربي الذي تروج له نظرية النمو اللامحدود ربوية المنشأ؟ ألا يعني هذا مليار سيارة ٍجديدة تجوب الطرقات وهي تحرق الأكسجين وتستنزفه وتنفث بدلًا عنه كاربون العوادم الملوث للجو والمسبب الرئيس للاحتباس الحراري؟ ماذا لو لحقت بركب النمو اللامحدود دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا؟ وشرعت بدورها في اجتثاث غابات المطر الاستوائية لتؤسس المصانع والطرقات وتحقق «التقدم اللامحدود» على الطريقة الغربية، فهذا حقها القومي الذي يشرعه لها الاقتصاديون، وبذلك تكون الدول الناشئة قد اجتثت مصدر ثلث الأوكسجين في العالم في منطقة الأمزون وحدها ناهيك عن غابات أفريقيا وآسيا.

إن عقيدة التقدم الغربية التي تستند إلى فكرة لا محدودية الموارد الطبيعية، تناقض تماما النظرية الاقتصادية في نسختها الكلاسيكية حيث كان مالثوس يحذر من تزايد السكان خشية انهيار التوازن مع الموارد، وهناك مشكلة النفايات الآخذة في التزايد بشكل يتجاوز قدرة البشر على تدويرها، حيث تقول بعض الدراسات أنه لو عمم نمط الاستهلاك الأمريكي على كل سكان الأرض فإننا سنحتاج لستة كواكب في حجم الأرض كمصدر للمواد الخام وكوكبين آخرين للتَّخلص من النفايات، وبطبيعة الحال، هناك النفايات النووية، التي لم يهتد الإنسان بعد إلى طريقة آمنة للتخلص من أخطارها إلى الأبد. إن التقدم بدون رؤية أخلاقية بالشكل الذي يدعمه الاقتصاديون لا يعني بتاتًا أنه صواب حتى لو قال به أناس كافأتهم لجنة نوبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد