بادئ ذي بدء، يجب أن نلزم أنفسنا ونحن نقرأ أي مشهد سياسي بعدم الانصياع وراء الآلة الإعلامية، سواء المحلي منها، أو العالمي، على النحو الذي يجعلنا نرى بالكيفية التي يريدون منا أن نراها «نقصد هنا دول المركز ومن يسبح في فلكهم». ومن ثم نسقط قراءة تحليلية عبثية بوصفها نتيجة خاطئة لمقدمات خاطئة، وهذا مبتغى من يدير الصراع من وراء الكالوس.

هذا النظام العالمي ينبني على أسس ثلاثة، وإن جاز لنا التعبير مخاطر رئيسية ثلاثة، الأول البناء والهدم، وقد يسبق البناء عملية الهدم، كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فتبني ما دمر وتنتعش الحالة الاقتصادية للرأسمالية العالمية التي تحكم العالم، كما لا ننسى مشروع مارشال، الثاني صناعة الأزمات ومن ثم تبنيها، والاستمساك بخيوطها وليس حلها، وقد يستدعي الأمر زيادة تعقيدها بإعطائها نصف حل، وليس كل الحل، كما في الحالة السورية، هذه الحالة لها تفصيل قد نعرج عليه لاحقًا، الثالث، الهجوم! الذي يدرس «دبلوماسيًّا وليس عسكريًّا» كخير وسيلة للبقاء وتحجيم الآخر، وهذا الأخير الذي أخفق فيه المسلمون والعرب في مراحل عدة، تنبهوا في بعض الفترات التاريخية وأركسوا في أخرى متحصنين في صياصيهم! وانتكاسة الدولة العثمانية بدأت حيث توقف الهجوم والفتح، وتبني منهجية الدفاع بقصد أو بدون قصد «ومهما تمتلك من حيلة وذكاء في الدفاع؛ فلن تتمكن من النهوض، إنما تأخر فقط السقوط كنتيجة حتمية للصراع!»، فدأب الآخر على الهجوم، وانكمشت الدولة العثمانية شيئًا فشيئًا، حتى تقطعت أوصالها، ومن حينها يتلقى العالم الإسلامي الضربات القاسمات واحدة تلو الأخرى دونما انقطاع.

هذه الأسس أو المخاطر الثلاثه سالفة الذكر، تقوم على مرتكزات، وإن شئت أدوات عديدة، منها إزدواجية العمل السياسي العام، والنشاط التجاري في صورته الرأسمالية القبيحة، الذي يحدث بسببه كل الصروف من جرائم سياسية، ولقد تنبه الإسلام إلى هذه الجزئية وعالجها بأن أسقط العمل التجاري عن من يتولى أمر المسلمين بأن جعل له نصيبًا من بيت المال مقابل رعاية شؤون الأمة، وثمة مثال رائع في هذا الصدد «عندما تولى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- الخلافة قابل أبو عبيدة بن الجراح الأخير يحمل أغراض العمل على كاهله ساءله: إلى أين يا خليفة المسلمين؟ أجاب الخليفة أبو بكر إلى العمل، أليس لى عيال أطعمهم؟ فأرجعه أبو عبيده قائلًا: لقد وليت أمر المسلمين سنجعل لك نصيبًا من بيت المال، وحينها كان أبو عبيدة بن الجراح يعمل كوزير للمالية»، وهو أول من أرسى هذه القاعدة في علم السياسة عمليًّا.

التحكم في صناعة الآلة العسكرية وامتلاكها واحتكارها، منعًا ومنحًا، احتكار التقنية الحديثة وإخفاؤها عند الضرورة، خاصة المتعلقة بالجانب العسكري.

الغذاء، ثمة مقولة لمهندس السياسة الأمريكية، هنري كيسنجر: «سيطر على الغذاء تسيطر على العالم»، وتتبدى بشكل جلي في منطقتنا العربية، حيث إشكالية زراعة القمح، ومحاذير الاكتفاء الذاتي ومعوقاته، التي تتبناها الحكومات قصرًا وتوجيهًا من البنك الدولي، الذي يُعد هو الآخر إحدى أدوات الهيمنة للنظام العالمي.

النخبة العلمانية، والليبرالية، وكذلك الاشتراكية «الثورية» في عالمنا الإسلامي والعربي، أحد أهم أدوات النظام العالمي، لتجميد الصعود، والتجارب الثورية في بلاد الربيع العربي في تونس ومصر خير دليل، وسيطلون من على أي منصة قريبًا في الجزائر والسودان، فقرهم «النخب آنفة الذكر» الجماهيري جعلهم يستندون إما لقوى العسكر في الداخل، أو استدعاء الخارج ومغازلته! وأستدعي هنا من الذاكرة مثالًا صارخًا، النائبة المصرية «منال الطيبي»، التي كانت ممثلة عن الجانب النوبي لصياغة دستور الثورة 2012، طالبت الطيبي بصياغة مادة في الدستور تعطي الحق للأقليات ومنها «النوبية» باستدعاء الخارج في حال إغفال حقوقهم! هذه ليست هنات، بل إحدى كوارث وغائلة من غوائل هذه الطبقة التي غالبًا ما تسبق أسماؤها عناوين أضخم مما يبدون عليه من معرفة.

مجلس الأمن والأمم المتحدة والمحكمة الدولية، تعد من أدوات الهيمنة المركزية للنظام العالمي التي تساهم في بقائه وتمرير مصالحه الاستراتيجية، وكسب ما لا يستحقه، وحرب الخليج الأولى والثانية خير شاهد.

ثمة خطوط عريضة أخرى سنتناولها في الجزء الثالث بمشيئة الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات