احتفى البعض بما سُمىَ اشتباكًا بين السيسي قائد الانقلاب وبين شيخه أحمد الطيب القائد العسكري للأزهر بعد الانقلاب وقبله. كان ذلك في الاحتفالية التي أقيمت تحت مسمى المولد النبوي.

لا أرى في الشيخ أحمد الطيب من الغيرة الإسلامية ليدافع عن السنة، ولا عن غيرها، ولا أرى فيه شجاعة أو جرأة ليُغرِّد خارج أي سرب.

الرجل مؤهلاته معروفة منذ بداياته، منذ اختياره ليكون عضوًا في لجنة سياسات جمال مبارك، والتي كانت مرشحة للصعود معه لوراثة الحكم قبل أن تدور الدوائر على مبارك وبنيه، وهو مجبول على مهمة أصيلة هي الدفاع عن الاستبداد وتزوير الشرع لصالح السلطة.

لم يتمرد الطيب على سلطة مبارك وهي تنهار، وكانت أمامه فرصة ذهبية أن يدعم السلطة أيضًا حينما أتت بانتخابات نزيهة وبإرادة شعبية؛ لكن الرجل لم يفعل، واختار عن طواعية أن يمكر مع الثورة المضادة ويميل بمنصبه وعمامته عن إرادة الشعب وحقه الإسلامي في التحرر والكرامة، ليجعل من نفسه حجرًا من أحجار العسكر ولبنة سوداء في الانقلاب على ثورة يناير (كتانون الثاني) ومخرجاتها.

هي مقدمة أراها هامة حتى لا نفقد البوصلة ويسقط البعض في منح شيخ الانقلاب بطولة لم يدعها أو شرفًا لا يستحقه. القانون عندي أنه لا يُلام من لا يدافع عن هِر غادر لمجرد أن نبحت عليه كلاب.

الأمر الذي أتوقف عنده هو ما أتي به السيسي إذ قال: من أساء إلى الإسلام أكثر: الدعوة إلى ترك السنة النبوية والاكتفاء بالقرآن فقط، أم الإساءة اللي إحنا عملناها كفهم الخاطئ والتطرف الشديد في العالم كله؟

أما ما يعنيني لدرجة الاستفزاز والسؤال الذي ختم به حديثه: ما هي سمعة المسلمين في العالم الآن؟

أعتقد أنه لا يمكن تجاوز المحاولات الحثيثة والمتكررة والتي يُصِّر من خلالها السيسي أن يربط بين الإسلام وبين التطرف، وبين المسلمين وبين التطرف الذي سماه التطرف الشديد في العالم كله.

هي إذًا دعوة خبيثة تنطوي على تحميل للإسلام والمسلمين أغاليط العالم بطريقة يفرح بها كل معاد للإسلام ومحارب له.

خُبْث الدعوة ليست فقط أنها أتت في احتفالية بالسنة وصاحبها صلى الله عليه وسلم، لكن كونها تهدف إلى التهوين من إنكار السنة والتطاول عليها باستحضار فزاعة كذوب حول التطرف الإسلامي.

ما العلاقة بين الأمرين؟ خاصة وأن خطيئة إنكار السنة أو التهاون فيها تحتاج مواجهتها على الإطلاق من غير تنسيب إلى خطيئة أخرى والمقارنة بينهم.

أما عن خطيئة التطرف فأعتقد أن الواجب الشرعي الذي يلزمنا جميعاً هو معرفة حجمها، ومن ثم تقصي أسبابها.

أعتقد كذلك أن أي حديث عن التطرف أو الغلو الإسلامي – إن جاز استدعاؤه – فإن المعالجة الصحيحة له هي التأكيد على السنة والتعريف بها ونشرها والتحاكم اليها، كما أنه لن يكون هناك تطرف ولا غلو، إلا حينما يتهاون الناس في اتباع الأصول – القرآن والسنَّة – وتطبيقها.

نأتي للنقطة الأهم والأثرى وهو سؤال هذا المنقلب الغدار: يا ترى ما هي سمعة المسلمين في العالم الآن؟

وهو سؤال مهم وحيوي ووجودي فعلًا ويحسن إجابته مرحليًا من غير فصل بين الحكام والشعوب، أي بتجاوز التطرق للسبب أو المتسبب مؤقتًا؟

يمكن التعرف على سمعة المسلمين اليوم من خلال بطاقة تعريفهم في الواقع هي كالتالي:

هم دول الاستبداد الذي يمكن فيها لوزير غادر أن ينقلب على رئيس وحكومة منتخبين ويعتقل برلمان مختار شعبيًا، ويعاقب الشعب لمجرد أنه قام بثورة أطاحت بدكتاتور.

هم مَنْ يفتحون أبواب الحرية للإعتراض على الخالق، في الوقت الذي يسبحون فيه بحمد الحاكم الذي يفرض عليهم عبادة مطلقة وطاعة عمياء.

هم مَنْ من يقتلون المواطنين في أكبر مذبحة جماعية في العصر الحديث ومن لم يُقتل فالاعتقال مصيره.

هم من تمتلئ سجونهم ومعتقلاتهم بكل الأعمار وتمارس عليهم شتى صور التعذيب والقهر.

هم مَنْ لا يتورعون في اعتقال الأجانب – ريجيني وماثيو هيدجز – ولا بأس أن يقتلوهم تحت تعذيب وحشي.

هم دول فيها القضاء منظومة قتل لا منظومة عدل، والهيئات الدينية فيها لتطويع الدين وتطويقه لإرادة الحاكم لا لإرادة السماء.

هم دول الاستبداد حيث يُقتل المواطن فيها في سفارة بلده لمجرد طلبه استخراج وريقة.

هم مَنْ لا يكتفون بقتل رعاياهم، بل شرعهم هو التوحش بالتمثيل بجثته ونشرها بالمناشير.

هم مَنْ لا يتوقفون عند حد المنشار، بل يُذيبون الجثة ويسيلونها في مصارف الصرف الصحي.

هم مَنْ يستدعون أبناء القتيل قسرًا وتحت التهديد لا ليقدموا له العزاء، بل ليظهر راضيًا عن قتلهم لأبيه.

هم مَنْ يكذبون ثم يكذبون ثم يكذبون، ولا يتورعون عن الكذب إلى مالا نهاية حتى يصبحوا دولًا للكذب وممالك للخداع.

هم ببساطة – يا سيسي – المتخلفون عن ركب الحضارة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

هم بلا مواربة بلاد قتلها الاستبداد وأحاط بها حكم الفرد إذ رعى فيها الجهل والعنصرية والمرض حتى لا تُفيق شعوبها وتُساءل حكامها الخونة أو تثور عليهم وتحاكمهم.

أليست هذه هي صورة الدول الإسلامية في العالم اليوم يا سيسي؟ أليست هذه هي سمعتهم في أي محفل؟ أما عن السبب والمتسبب؟ فهو ينحصر في تلك الثلة الغادرة من حكامهم، وأنت وأمثالك منهم. وأعتقد أن بلاد يتجمع فيها استبداد الحُكْم مع غبائه وخيانته حري بها أن تصل إلى القاع. حسبُكِ يا بلاد المسلمين من العار أن يحكمك هؤلاء. حسبُكِ يا بلادى من العار أن يحكمك السيسي. وعن سمعة المسلمين.. الخوان يسأل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد