أثار الموقف الصيني الأخير من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، جدلًا واسعًا حول حقيقة انتصار الصين لحقوق الشعبي الفلسطيني، وعلاقة ذلك بالظرف الدولي الراهن ومناكفاتها السياسية مع الولايات المتحدة.

فعلى خلاف مواقفها السابقة إزاء الحروب المتعاقبة التي شنتها إسرائيل على الفلسطينيين، جاء موقف بكين مغايرًا هذه المرة، بلهجة حادة ولغة واضحة ومحددة تطالب بوقف إطلاق النار باعتبار ذلك أولوية قصوى، وتحث جميع الأطراف، وخاصة إسرائيل، على ضبط النفس ووقف كافة الأعمال العدائية.

تبع ذلك تقديم مبادرة من أربع نقاط لتسوية القضية الفلسطينية تقوم على مبدأ حل الدولتين، ولكن ما بدا أكثر تشددًا وانكشافًا، حديثها عن ازدواجية المعايير لدى الولايات المتحدة التي كانت قد عطلت إصدار بيان في مجلس الأمن يدعو إلى وقف إطلاق النار، خصوصًا وأن الأخيرة دأبت على انتقاد ملف حقوق الإنسان في الصين، وهو ملف لطالما كان سببًا في تأزم العلاقات بين البلدين.

ما أثير في السطور الأخيرة، قد يرجِّح فرضية انطلاق الموقف الصيني من مصلحة ذاتية لها علاقة بالمناكفات مع واشنطن، بينما يرى آخرون أن هناك لهجة جديدة أكثر حدة وانحيازًا للحق الفلسطيني، تنسجم مع مكانة الصين الحالية، بوصفها دولة مسؤولة، وذات وزن كبير على الخارطة الدولية.

لذلك قد يكون مجديًا الرجوع إلى التاريخ في محاولة لفهم موقف الصين من الصراع العربي الإسرائيلي، منذ مد حركة التحرر الفلسطينية بالسلاح، مرورًا بتصدير الماوية إلى الشرق الأوسط، ومن ثم إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وصولًا إلى موقفها الأخير.

في تسعينيات القرن الماضي، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية وثائق رفعت عنها السرية، تظهر إلى أي حد ذهبت الصين في دعمها للكفاح المسلح الفلسطيني، وكانت إسرائيل قد استولت على تلك الوثائق ضمن مجموعة كبيرة من المستندات أثناء اقتحام مقرات منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان خلال حرب عام 1982.

ومن بين تلك المستندات مراسلات بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومسؤولين في ألمانيا الشرقية، والصين، والهند، وباكستان، وفيتنام، وكوريا الشمالية. وبرز ضمن الوثائق، كتيب صغير من ثلاث صفحات للتعامل مع المتفجرات وتجميعها، تضمن رموزًا مكتوبة بلغة الماندرين توضح كيفية تصنيع الألغام باستخدام الأسلاك الشائكة والبارود ومواد أخرى.

وبالرغم من أن بكين اعترفت مبكرًا بإسرائيل في أعقاب تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، فإنها بدأت تنسج علاقات دافئة مع الفلسطينيين في ستينيات القرن الماضي، حيث نظر القادة الشيوعيون إلى النضال الفلسطيني من منظور معركة أكبر ضد الإمبريالية.

فمع تنامي المشاعر القومية العربية آنذاك، رأت الصين في الشرق الأوسط ميدانًا مهمًّا لشن معركتها ضد الإمبريالية، باعتبار أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو نتيجة صراع إمبريالي مع قوى استعمارية. وبالتالي لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية بالنسبة للصين آنذاك مجرد حركة تحرر تستحق الدعم، بل كانت حليفًا في صراع أيديولوجي يقاوم الاستعمار والإمبريالية.

فقد كانت الصين أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وفي شهر مارس (آذار) من العام التالي، قام رئيس المنظمة آنذاك أحمد الشقيري، بأول رحلة إلى الصين، وحسب بيان مشترك نُشر خلال الزيارة، جرى الاتفاق على فتح مكتب تمثيلي للمنظمة في العاصمة بكين.

وخلال اجتماعه بالوفد الفلسطيني قال ماو تسي تونغ، وفق ما نشرت مجلة الدراسات الفلسطينية: «القوى الإمبريالية تخشى الصين والعرب. إسرائيل وفورموزا هما قاعدتان للإمبريالية في آسيا. أنتم البوابة الأمامية للقارة الكبرى، ونحن البوابة الخلفية، خلقوا لكم إسرائيل وخلقوا لنا فورموزا، الغرب لا يحبنا ويجب أن نفهم هذه الحقيقة. المعركة العربية ضد الغرب هي المعركة ضد إسرائيل. لذا قاطعوا أوروبا وأمريكا أيها العرب».

بعد ذلك بشهرين، خرج الصينيون لأول مرة إلى الشوارع للتعبير علانية عن دعمهم للقضية الفلسطينية في ذكرى النكبة الـ17.

ويرى مراقبون أن ما  اتُّفق عليه في زيارة وفد منظمة التحرير إلى الصين، هو الذي دفع إسرائيل إلى دعم تايوان في تصويت الأمم المتحدة، على حساب جمهورية الصين الشعبية، وقد حمل ذلك رسالة مفادها بأن دعم حركة التحرر الفلسطينية أمر غير مرحب به.

بعد نكسة يونيو (حزيران) عام 1967، ظهرت فكرة الكفاح المسلح وسيلة للتحرير، من خلال حشد الشعب والاعتماد على الذات، وهي ركيزة أساسية في العقيدة الماوية. في تلك الأثناء بدأت القيادة الصينية بتصدير السلاح مجانًا إلى المنظمة، وحسب تقديرات إسرائيلية، أرسلت الصين معدات عسكرية إلى حركة فتح خلال ثلاثة أعوام (1967- 1970) بقيمة تتجاوز 30 مليون دولار، شملت: بنادق وقنابل يدوية وألغامًا أرضية، بالإضافة إلى مدافع ورشاشات سوفيتية مستعملة. وإلى جانب توريد الأسلحة، قدمت الصين التدريب العسكري لكوادر منظمة التحرير، والأفكار الأيديولوجية. وتظهر إحدى الوثائق التي نشرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية، برقية صينية تدعو إلى إرسال ضباط من منظمة التحرير للتدرُّب في أكاديمية عسكرية بمدينة نانجينغ.

في عام 1970 نقلت صحيفة «بكين ريفيو» عن ياسر عرفات قوله بأن الصين أكبر تأثير في دعم ثورتنا وتعزيز صمودها. ويؤكد محللون إسرائيليون أن اهتمام الصين بالنضال الفلسطيني في أواخر الستينيات، كان الأكثر تأثيرًا، والأكبر على مستوى الدول غير العربية.

رغم السخاء الصيني والثناء عليه فسطينيًّا، فإن قيادة منظمة التحرير جنحت باتجاه الاتحاد السوفيتي، لاستيراد الأسلحة، نظرًا إلى قوته في الأمم المتحدة وتأثيره السياسي الكبير، على خلاف الصين التي كانت تكافح من أجل انتزاع اعتراف دولي.

خلال تلك الفترة، حاولت الصين التأثير في قرار المنظمة والتذكير بموقف السوفيت الداعم لإسرائيل، غير أن تلك المحاولات لم تلق آذانًا صاغية.

ومع بداية السبعينيات كانت الصين قد بدأت فعليًّا بتخفيض إمداداتها من الأسلحة، بسبب الاضطرابات التي خلفتها الثورة الثقافية، بالإضافة إلى رغبتها في تعزيز علاقاتها مع المجتمع الدولي بعد انضمامها للأمم المتحدة عام 1971، وكذلك تضاؤل الطابع النضالي لمنظمة التحرير بعد أحداث أيلول الأسود، والاقتتال الداخلي بين الفصائل الفلسطينية.

في مطلع الثمانينيات بدت الصين أكثر براجماتية، فطورت علاقاتها مع إسرائيل بما ينسجم مع سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها الزعيم الصيني الراحل، دينغ شياو بينغ، وشهدت العلاقات بين البلدين تعاونًا في عدة مجالات، أبرزها: الجانب التكنولوجي، وكذلك العسكري. مع الإبقاء على موقف دبلوماسي داعم للقضية الفلسطينية.

ومع انطلاق قطار التطبيع في المنطقة العربية، لم يعد لدى الصين ما يمنعها من إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، حدث ذلك عام 1992 في أعقاب مؤتمر مدريد للسلام. وبدت إسرائيل دولةً أكثر أهمية من الناحية العملية من منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبار أن لديها جيوبًا أعمق، وبالتالي يمكن التعامل معها بصفتها شريكًا اقتصاديًّا وازنًا، غير أن ذلك لم يدفع بكين، ولو مرة واحدة، إلى دعم إسرائيل في استفتاءات الأمم المتحدة وتصويتات مجلس الأمن.

أخيرًا، ما يمكن استنتاجه من خلال السطور السابقة، أن الدعم الصيني للقضية الفلسطينية خضع لظروف خاصة، شكلت في مراحلها المختلفة فصول المد والجزر. ففي ظرف ما، استطاعت الصين بفضل موقفها ودعمها المطلق لمنظمة التحرير، أن تكسب أصوات الدول العربية والإسلامية في معركتها لاسترداد مقعدها في الأمم المتحدة، فضلًا عن نجاحها في تصدير الماوية إلى دول الجوار والشرق الأوسط لتشكل تحديًا للسوفيت. وفي ظرف آخر فضَّلت المزاوجة بين المصلحة الوطنية والموقف الدبلوماسي الذي لا يكشر بطبيعة الحال عن أنياب تحارب بالنيابة عن صاحب الحق والقضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد