قبل أربعةَ عشر عامًا بالتمام والكمال، كانت اوّل مرة أسمعُ حينها بفلسفة الصمت، وما زلت مع طول العهد أتساءل نفس السؤال الأول عينه: هل للصمت فلسفة فعلًا؟ توالت الأيام في تصرّم سريع وتقلب مخيف، فوجدتُ أنّ الصمت أبلغ كثيرًا من أي تصرف غيره – في معظم الأحيان – لكن بقي شقٌّ من السؤال لم أجد له جوابًا: متى تتجلى فلسفة الصمت؟ وهل الصمت المقصود بمفهومه العام أو العامّي؟

في الآونة الأخيرة ظهر كمٌّ هائلٌ من التنظير والتشخيص للحالة العصيبة التي تمرُّ بها الأمّة، وسيطر اصطلاح صفقة القرن على كلِّ حديث، حتى تظنُّ كمتابع عن كثب أنّ المخططين لهذه الصفقة قد بلغوا درجة من الكمال وربما الكمال ذاته، ثمّ انفرط عقد سريّة التطبيع السري وغدى كلُّ شيء علنيا لا يمكن إنكاره، يعني أنّنا في حالة من الاستقطاب والتمايز الحادّ الذي جعلنا واقعًا فريقين اثنين لا ثالث لهما، تخيّل حتى أولئك الذين كانوا يُسمّون أنفسهم الأغلبية الصامتة قد اتّخذوا موقفًا وتمايزوا.

وهنا يجيء دور فلسفة الصمت في فهم ما يحدث قبل الانجرار وراء كل ناعق؛ فيتحوّل المرء لطبل أجوف يصيح تبعًا للضرب على رأسه.

وظهر مع ما سبق عيبٌ عجيبٌ غريب، حيث صار كثير من الذين يعتقدون أنّهم الحقّ المطلق عبارة عن عاطفة هوجاء متنقلة مع كلّ حدث تشبه السلفية الجهادية في مواقفها مع المخالف، فأنت كافر ملحد إن لم تتبنَّ وجهة نظر أحدهم دون نقاش، وآخرون يرون أنفسهم إكليروسا – مجلسا أعلى – لما يكتب ويقال، يرقبون الناس من علّ ويمارسون نوعًا من الإقطاعية العلمية والفكريّة، فلا يدري المرء ما هو فاعل مع القضايا العامّة المهمة في حياة ومصير الأمةّ؟ أيكتب بطريقة الأصوليين فيأتي بالرأي مدعمًا بالأدلة، ومن ثمّ حكم المتأخرين على السابقين، ويعرض من يكتب ومن يقرأ ومن يتابع على علم الجرح والتعديل الخاص بهذا النوع من المتابعين؟ أم يجاري العاطفة العامّة والحالة المزاجيّة للمجتمع فيكتب خبط عشواء في سجع يشبه سجع الكهان وتطرب له الآذان وتخرب منه وبه الأذهان؟ أمّ ينتظر مقدامًا ما فيستغلّ تضحيته ليمرر ما يريد من مغالطاته المتعددة؟ وهكذا تجد نفسك تمارس الصمت عنوة وتلاحق على صمتك، نعم فكم من سائل مدفوع تساءل عن الصمت عند شريحة ما من الناس لم يعهد عليهم ذلك، بل وصل الأمر إلى أنّ بعضهم استدعي وبعضهم سُجِن لممارسته هذا الصمت.

ليس الصمت الذي يمارسه البعض سياسة النأي بالنفس، لكنّ اختلاط المعادلات والمواقف جعله يُؤثرُ بقاء شيئًا من الأخوة والعلاقات الاجتماعية – الضحلة أصلًا – وغيرها من مقومات حياة الذلّ العام. فمثلًا عندما يكون لديك موقف حادٌّ، وواضح من الصفويين والنصيرين وحزب اللات وترى أنّهم ليسوا إلا أدوات خفيّة للاستعمار والمشروع التقسيمي للأمة ستجد نفسك أمام فريق يراك متطرفًا تكفيريًا متشددًا، ولا تحب أن تتضافر جهود تيار الممانعة – تيار المزافتة – الحصن الأخير أمام المؤامرات الكونية على المنطقة، وهنا ستجد نفسك أمام أناس يشاركونك فكرتك العامّة، وستجد أن الفقه والسياسة الشرعية تسقط أمام ما يعتقده مشاركوك في الفكرة وتدخل في جدال عقيم حول الفوائد والمضارّ، وستجد نفسك مرغمًا على تعميم حكم خاص بمنطقة ما على الأمّة جمعاء.

وإن قلت أن الأعراب إلى الأن لم تخترق قلوبهم بشاشة الإيمان وأنّهم معاول هدم في جسد الأمّة، وأنّهم يشكلون في الأساس المشكلة الحقيقة المانعة لوحدة الامّة، وأنّ إنشاء إماراتهم ومشيخاتهم كان مخططًا استعماريًا محضًا لتمزيق الأمّة، وأنّ تطبيعهم الحالي مع المحتل ليس سياسةً فذة، بل بحثٌ عن تذكرة بقاء واستمرار عبر استجداء أمريكا من خلال ربيبتها إسرائيل، إن قلت ذلك فستكون محسوبًا بصورة تلقائية على تيار الإرهاب والمثال الأوّل.

أي أنّ حالة الاستقطاب الحادّ وصلت كل شيء وكل فرد ووصلت إلى المخلصين المصنّفين للناس وكتاباتهم ومواقفهم، وذلك لا يعني أن تحتفظ بمواقفك لنفسك، فالممانع القاتل هو نفسه الأعرابي الخائن، وهو بنفس الدرجة المسخ التابع لكلّ احتلال وتجربة تمزيق للأمة وتركيعها. وهنا يجبُ أن نسجل ملاحظة مهمة، وهي أنّ هناك ضرورة ملحّة لتكوين شخصية مميزة لباقي الأمّة البعيدة كل البعد عن الأمثلة المضروبة وأتباعها، فمن لا يملك موقفًا واضحًا وصريحًا هو من يُخشى عليه الاندثار والضياع وإن كتب ونعق كلّ لحظة، والصامت صاحب المواقف يبقى مع بقاء فكرته ومواقفه وإن أقلَّ في قوله وما يكتب.

بقيَ الحديث عن معادلة الهوان، وأهمُّ أركانها الهوان في عين نفس الشخص، حيث إنّ من هان في عين نفسه هان في عين غيره، وكذلك من أركانها الاستسلام الكامل للمعادلات المادية البشرية فيظنُّ من حاله كذلك أن أمريكا والكيان المحتل والأسد والرافضة الصفويين والأعراب لهم الغلبة، في نسيان تامّ للناظم الأساسي للأمّة ألا وهو الإيمان فنحن أمّة مؤمنة ذات عقيدة واضحة قاطعة جازمة لا مِراء فيها، فكيف يستقيم عندك أن تكون مؤمنًا وتنسى أنّ مكر كل عدو لن يصل مداه ولن يتحقق؟ وكيف يستقيم عندك أن يتقاطع إيمانك مع اليأس الذي يعتريك لأنّ مراهقًا سياسيًا يهددك؟ وكيف يستقيم إيمانك مع سباحتك مع التيار بحجة الرزق والسلامة؟ وأسئلة تؤرقك أنت أعلم بها مني.

إنّ الصمت لا يعني القبول بالذلِّ والهوان، ولا يعني القبول بأي عدوّ للأمة مهما كانت الظروف، فبالله عليك ما الذي سيحدث؟ هل ستطرد من بلدك؟ فمنذ متى كانت بلادنا جنّة على الأرض؟ أم ستسجن؟ ومن قال إنّ السجن عقوبة أو متى كنّا نمارس حقوقنا تحت حكم الأنظمة الشمولية؟ أم تخاف على رزقك؟ فمنذ متى كان الرزق بيد العباد أو بيد المخالفين والأنظمة الشمولية؟

مارس صمتك عندما ترى الأوشاب والرويبضات يتصدّرون المواقف والمنابر، ولكن إن تحدثت فكن بحقك أبلغ من باطلهم، ومارس حقك في التمايز والانحياز حتى وإن كانت ميتتك كميتة أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – لكن لا تجعل الساحة متاحة للباطل المُلجلج.

وتذكر دومًا (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار). (والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)، وفجر التمكين قادمٌ، لكن لا بد من تمحيص وتمايز؛ ليميز الله الخبيث من الطيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد